الذات في كونها متحيّزة نعلم صحّة ذلك فيها ، ولا يصحّ أن نشترط ذلك بكونه في الجهات لمعان محدثة ؛ لأنّ وجود المعنى يوجب كونه في جهة مخصوصة ، ويحيل كونه في غيرها ، فمحال أن يصحّ كونه في الجهات الباقية ، مع أنّه محيل لذلك .
ولا يصحّ أيضا أنّ يشترط ذلك ، لصحّة عدم ما به يكون في الجهات المعيّنة ؛ لأنّ ذلك لا يرجع إلى الجسم ، وما صحّح صفة الذات يجب أن يكون ما يرجع إليها .
دليل آخر على ذلك : [ أنّه ] لو كان تعالى جسما لوجب أن يكون قادرا بقدرة ؛ لأنّ من شأن الأجسام ألّا تكون قادرة على هذا الوجه ، وقد مضى طرف من الكلام في ذلك فيما سلف من الكتاب ، ولو كان قادرا بقدرة ، لا يأتي منه فعل الجواهر والأجسام ؛ لأنّا قد دللنا من قبل على أنّ القدر على اختلافها لا يصحّ فعل الجواهر والأجسام ؛ بها ، وفي علمنا بأنّه تعالى هو الفاعل للأجسام دلالة على أنّه ليس بجسم .
دليل آخر : لو كان تعالى جسما ، لوجب على ما بيّنّاه أن يكون قادرا بقدرة ، وقد بيّنّا أنّ القدرة لا يصحّ الاختراع بها ، وأنّ الفعل لا يقع بها في غير محلّها ، إلّا بعد أن يكون بينه وبين محلّها وصلة ومماسّة ، وهذه الجملة يقتضي فيه تعالى لو كان جسما أن يفعل فيما ماسّه ، ولا يصحّ أن يفعل في الأماكن المتباعدة ، ونحن نعلم أنّه تعالى يفعل في داخل البيضة وفي المشرق والمغرب في الحالة الواحدة مع فقد المماسّة والاتصال ، على أنّ فيما يفعله تعالى ما يعلم أنّه لا سبب له يولّده مثل الألوان والأراييح والطعوم ، وإذا حدث ذلك في الأجسام من غير توليد ، ولم يكن في محلّ القدرة عليه ، فهو المخترع الذي لا يكون من جسم .
دليل آخر : وممّا يدلّ على ذلك أنّه لو كان تعالى جسما ، لوجب كونه أشياء مؤتلفة ؛ لأنّ الشيء الواحد لا يكون جسما ، وهذا يقتضي أن يكون كلّ جزء منه قديما ومستحقّا لجميع ما يستحقّه من الصفات التي أثبتناها له ؛ لأنّ من حقّ صفة النفس أن يختصّ بها الآحاد دون الجميع ، وهذا يقتضي إثبات قدما لهم مثل صفته ، وأدلّة « 1 » التوحيد - التي يأتي بعون اللّه ذكرها - يبطل ذاك .
هامش
( 1 ) . في الأصل : اداله .