صفات الذوات ؟
وبعد ، فيلزمكم على هذا الدليل أن يكون الجسم الأبيض مخالفا للأسود ؛ لأنّه لا يلتبس به .
قلنا : الوجوه التي يقع فيها الالتباس معقولة ، وهي المجاورة ، كالتباس خضاب اللحية بالشعر ، أو الحلول كما التبس على قوم فظنّوا أنّ صفة المحلّ للحال ، حتى اعتقدوا أنّ السواد حيّز ، وكلّ هذا منتف في التباس الجسمين أحدهما بالآخر ؛ لأنّه لا حلول بينهما ولا مجاورة ، بل الالتباس يحصل بينهما مع العلم بتغايرهما ، فدلّ على أنّ وجه الالتباس ما ذكرناه .
وأمّا الذي يدلّ على أنّ الصفة التي اقتضت التباسهما ممّا تناولهما الإدراك ، أنّ الأمر لو كان بخلاف ذلك لما التبسا عليه « 1 » الإدراك ، وفي التباسهما عليه دلالة على تعلّق الإدراك بما التبسا لأجله ، وأنّ المشاركة فيما لا يتعلّق الإدراك به لا يقتضي الاشتباه على المدرك .
ألا ترى أنّ السواد لا يسلبه البياض ويلتبس به عند المدرك وإن اشتركا في الوجود ، من حيث كان الإدراك لا يتعلّق بالوجود .
ولأنّ الصفة التي تقتضي التباس الجسمين أو الجوهرين المدركين على المدرك لا بدّ أن تكون صفة علمها المدرك ، وما يعلمه في حال الإدراك من صفات الجوهر هو الوجود وكونه في جهة وتحيّزه ، وقد مضى أنّ المشاركة في الوجود لا يقتضي الالتباس .
وليس يشترك الجوهران في أن يكونا في جهة واحدة فيلتبسا من هذا الوجه ، فلم يبق إلّا أنّهما التبسا من حيث اشتركا في التحيّز وممّا يدركان على هذه الصفة .
وأيضا : فمتى صحّ أن يلتبسا لأجل صفة لم يتناولها الإدراك ، لم يكن بعض الصفات أن لا تدخل تحت الإدراك بأن يقتضي اللبس - أولى من بعض ، وهذا يوجب أن تكون المشاركة في سائر الصفات يقتضي الالتباس .
وأمّا الذي يدلّ على أنّ الإدراك يتعلّق بأخصّ صفات الذوات ، أنّه لا يخلو من أن يتعلّق بالصفة الراجعة إلى الفاعل أو الراجعة إلى العلل أو « 2 » الراجعة إلى الذات .
هامش
( 1 ) . في الأصل : على .
( 2 ) . في الأصل : و .