تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الملخص في أصول الدين — صفحة 174

مساهمون:

ص١٧٤
المحدثات لما اشتركت كلّها في كيفية الوجود ، احتاج جميعها إلى فاعل ؟ فاشتركت كلّها في المقتضي ، والقديم تعالى لمّا لم يشاركها في كيفية هذه الصفة ، استغنى من موجد ، وكان موجودا لذاته ، ولمّا كان تعالى مشاركا للمريدين ، [ و ] ينافي استحقاق كونه مريدا ، وأنّه يريد مع جواز ألّا يكون مريدا ، كان كذلك مريدا بإرادة كالواحد منّا . وإنّما قلنا : إنّه لا اعتبار باختلاف الصفة واتّفاقها مع الاتّفاق في وجه الاستحقاق وكيفيّته ، إنّا وجدناه تعالى لمّا استحقّ كونه موجودا على الحدّ والوجه الذي يستحقّ السواد عليه كونه سوادا والجوهر كونه جوهرا ، استحقّ ذلك لما هو عليه في ذاته ، كما استحقّ السواد والجوهر ذلك على هذا الوجه ، ولمّا استحقّ كونه مريدا على الحدّ الذي يستحقّ الجوهر عليه كونه متحرّكا استحقّ ذلك المعنى ، « 1 » وهذه قضية عامّة في جميع الصفات المستحقّة لو تؤمّلت وقوبل بين وجوه استحقاقها . وإذا ثبت هذه الجملة التي ذكرناها ، ووجدناه تعالى يستحقّ كونه عالما وقادرا وحيّا على الوجه الذي يستحقّ عليه كونه قديما ، وعلى الوجه الذي يستحقّ السواد عليه كونه سوادا ، أو الجوهر كونه جوهرا ، وجب أن يستغني عن المعاني ، وأن يكون مستحقّا لهذه الصفات ، لما هو عليه في ذاته ، كما ثبت ذلك فيما شاركه في كيفيّة استحقاق صفته . دليل آخر : وممّا يدلّ على ذلك أنّه لو كان تعالى عالما بقديم ، لوجب أن يكون علمه من جنس علومنا ، من حيث تعلّق بما يتعلّق به علم أحدنا على وجهه ، وفي وقته على سبيل التفصيل ، وهذا يقتضي قدم علومنا وحدوث علمه ! فإن قيل : دلّوا على أنّ المشاركة في التعلّق الذي ذكرتم يقتضي التماثل ؟ قلنا : الدليل على ذلك أنّ العلم إنّما بيّن من غيره بهذا التعلّق المخصوص ، وهو أخصّ صفات ذاته ، ولهذا وجب فيما شاركه في ذلك أن يسدّ مسدّه ، حتى أنّ أحدنا متى صحّ منه الفعل المحكم بعلم مخصوص ، فمعلوم أنّ ذلك يصحّ منه بكلّ ما شارك العلم الذي ذكرناه في صفته وتعلّقه . ولأنّهما أيضا يوجبان صفتان متماثلتين ، وتماثل الموجب يدلّ على تماثل الموجب .
هامش
( 1 ) . في الأصل : لمعنى .