فأما ما فعله من جلد الثلاثة ، فلأنهم صاروا قذفة لما لم تتكامل شهادتهم ، وعلى هذا أكثر الفقهاء ؛ لأن القاذف يجب الحد عليه ، وإن جوز أن يكون صادقا ، ولا معتبر بلفظه في القذف ، والشاهد هو قاذف ما لم « 1 » تتكامل الشهادة فأقام الحد كذلك وليس حالهم وقد شهدوا كحال من لم تتكامل الشهادة لأن الحيلة في إزالة الحد عنه ، ولما « 2 » تكاملت الشهادة ممكنة بإزالة الشهادة ، وكذلك حدهم . وليس في إقامة الحد عليهم من الفضيحة ما في تكامل الشهادة على المغيرة ؛ لأنه يتصور بأنه زان ويحكم بذلك فيه ، وليس كذلك حال الشهود ؛ لأنهم لا يتصورون بذلك ، وإن وجب في الحكم أن يجعلوا في حكم القذفة .
وقال شيخنا أبو علي : إن الثلاثة كان القذف قد تقدم منهم للمغيرة بالبصرة « 3 » ، واشتهر لما خرج للصلاة بهم ؛ لأنهم صاحوا به من نواحي المسجد بأنا نشهد بأنك زان ، فلو لم يعتدوا « 4 » الشهادة لكان يحدهم لا محالة . فلم يمكن في إزالة الحد عنهم ما أمكن في المغيرة .
فإن قيل : فقد روى أنه كان إذا رآه يقول : لقد خفت أن يرميني اللّه / بحجارة من السماء . قيل له « 5 » : قال شيخنا أبو علي : ليس هذا الخبر بصحيح ، فإن كان حقا فأولية « 6 » التحريف وإظهار قوة الظن بصدق القوم بما شهدوا عليه بدعائه . « 7 »
فإن قيل : إنما امتنع من حده ، وأحال « 8 » في ألّا يكمل الشهادة لأن المغيرة كان يخاف من دهانة لسانه . قيل له « 9 » : إن شأن عمر ظاهر في أنه كان لا يخاف مثله فيما يعرض من أمور الدين ، لكنه لا يمتنع لما كان متواليا « 10 » للّه من قبله أنه أحب ألّا يفتضح فيكون ذلك فسادا في الولاة ، وللإمام أن يفعل « 11 » ما يجرى هذا المجرى .
هامش
( 1 ) في العبارة ركة لفظية لا تخفى
( 2 ) في العبارة ركة لا تخفى
( 3 ) في الأصل ( النفرة ) ، ولعلها ( بالبصرة )
( 4 ) كذا في الأصل ، ولعلها ( يقصدوا )
( 5 ) الأولى حذف ( له )
( 6 ) كذا في الأصل
( 7 ) في الأصل : بدعاء له
( 8 ) لعلها ( احتال )
( 9 ) الأولى حذف ( له )
( 10 ) كذا في الأصل
( 11 ) كتبت في الأصل مرتين ، مرة في آخر السطر وهي غير بينة جيدا ومرة في أول السطر التالي وهي بينة تماما