فصل في بيان ما تتنافى فيه العلل ، ولا تتنافى فيه
قد علمنا أن المقصد بالتعليل الأحكام التي يؤثر فيها ، فينبغي أن ننظر في العلة فيصح أن نجعلها علة في حكم واحد ، فأما كونها علة في أحكام مختلفة في الأعيان فغير ممتنع ؛ وجملته : أن كل حكم يصح التعبد به ، ويخرج عن باب التعذر والإحالة لم يمتنع كون العلة الواحدة علة فيه ؛ فالمختلف في الأعيان ، وفي العين الواحدة ، والمتضاد في الأعيان / وفي العين الواحدة في الأوقات يدخل فيما ذكرناه .
فأما ما يتضاد في عين واحدة ، في وقت واحد فجعل العلة الواحدة علة فيه لا يصح ؛ لتعذر الحكم واستحالته ؛ ولا يجوز في العلة أن تؤثر فيما لا يصح حصوله مع صحة حصوله ؛ لأن ذلك يتناقض ؛ فأما كونها علة في حكمين ضدين ، على طريقة التخيير فغير ممتنع من حيث لا يمتنع ذلك في التعبد .
فأما كونها علة في الأحكام المتماثلة في الأعيان فصحيح لما قلناه .
فأما كونها علة لأحكام متماثلة في عين واحدة فغير جائز ؛ لأن الأحكام الشرعية لا تتزايد ؛ فلا يكون بعض المحرمات أشدّ من بعض ؛ ويخالف ذلك ما نقوله في العلة العقلية ، ويوافق ما نقوله في جهات القبح .
ولهذه الجملة يجوز وإن كان الحكم واحدا أن تتفاوت عليه العلة ؛ وتتعاقب فيخلف بعضها بعضا ؛ ويجوز أن تجتمع فيكون الحكم الواحد معللا يعلل ؛ كما أن العلة الواحدة تكون علة لأحكام ؛ وتفارق العقليات في هذا الباب ؛ وتوافق جهات القبح ؛ لأنه لا يمتنع في القبيح أن يكون قبيحا لوجوه ، يختص بها يقتضي كل واحد منها لو انفرد أن يكون قبيحا .