تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 376

مساهمون:

ص٣٧٦

فصل في أن التوبة لا تصح مع إقامة التائب على ما يعلمه أو يعتقده قبيحا

اعلم أن المعتبر في هذا الباب بالاعتقادات ، لأنها الدواعي دون غيرها ، فإذا صح ذلك وكان الندم إذا تعلق بالقبيح لقبحه ، وقارنه الداعي إلى العزم على مجانبة القبيح لقبحه ، بل نفس العزم ، فيجب أن يدعو ذلك إلى مجانبة كل القبائح التي يعتقدها قبيحة ، فأما ما لا يعلمه قبيحا ، ولا يعتقده كذلك ، إما بأن لم يخطر بباله ، أو بأن يعتقد حسنه ، فتوبته تصح وإن كان مقيما عليه . وعلى هذا الوجه يصح عندنا توبة البرهمىّ « 1 » من القبائح العقلية ، مع إقامته على تكذيب الأنبياء ، لما اعتقد فيما أقام عليه أنه دين ، وأنه يحسن . وكذلك توبة الخارجىّ ، مع إقامته على الخارجية ، وإنما كان كذلك ، لأن المعتبر في باب الدواعي بما يجمعه الاعتقاد ، الّذي هو الداعي دون ما لا يدخل تحته . يبيّن ذلك أن من ترك القبيح لقبحه ، لا يجوز أن يكون مقدما في الحال ، على قبيح يعتقده كذلك . وقد يجوز أن يكون مقدما في الحال على قبيح بظنه حسنا . والندم في هذا الوجه بمنزلة الترك ، فإذا جاز أن يترك أمرا لعلة من العلل ، ويكون مقيما على ما فيه تلك العلة ، إذا كان يظن أنها / ليست فيه ، فكذلك القول في التوبة . فإن قيل : إن ذلك يوجب عليكم القول بأن التائب في بعض أحواله ، يلزمه ويجب عليه إقدام على القبيح ، وما أدى إلى ذلك يجب فساده ، لأنه يجب في التائب إذا كان معتقدا في بعض الحق أنه باطل ، وفي بعض الأفعال الحسنة الواجبة أنه قبيح ، أن يلزمه الندم على ذلك والعزم على مجانبة مثله ، وهذا يوجب في هذه التوبة ألا تنفك من القبيح .
هامش
( 1 ) البرهمى : واحد البراهمة ، وهم عباد الهنود ، نسبة إلى برهمن . قال في التاج : بوزن سفرجل ، مكسور الأول .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 376 | القاضي عبد الجبار الهمذاني