يبين ذلك ، أنه لا فرق بين أن يجهل عند الظن أو على جهة التقليد في أنه يتصور نفسه بصورة العالم . فلا يمكن أن يقال : ان الّذي أثر في ذلك هو النظر ، ويفارق العلم في ذلك . ومما يدل على ، أن النظر في الشبه لا يولد الجهل ، ما ذكره شيخنا أبو علي ، رحمه اللّه ، في نقض المعرفة من أن عند النظر في الشبهة قد يعتقد الجهل وقد لا يعتقد ذلك ، وقد يجهل وان لم يفكر في الشبهة أصلا ، ويقع الجهل ، والحال هذه ، على الحد الّذي يقع إذا نظر وفكر . فلو كان النظر في الشبهة مولدا للجهل ، لم يصح ما ذكرناه فيه ، بل كان يجب أن يوجد عند وجود هذا النظر لا محالة مع زوال المنع . وفساد ذلك ، يبين أن النظر انما يولد العلم فقط .
وليس له أن يقول : إذا جاز أن يفعل العلم ابتداء ، ولا يوجب ذلك أن لا يتولد عن النظر ، فكذلك الجهل . وذلك لأن العلم الّذي يقع ابتداء ، غير ما يقع عن النظر ؛ وصورة احدى الحالتين ، غير صورة الحالة الأخرى .
وليس كذلك ما قلناه في الجهل ، لأنه إذا جهل مع فقد الفكر في الشبهة الواردة ، حاله كحاله إذا جهل عند / النظر فيها . ولأن الجهل قد لا يقع مع الفكر في الشبه ، كما قد يقع . وليس كذلك حال العلم عند النظر . ألا ترى أنه قد يشتبه عليه حال المخبر فيعتقد فيه الصدق ، وقد يخبره مع ذلك بخبر فيشك فيه تارة ويكذبه أخرى ؟ والّذي يجب أن يعتمد عليه ، عندي ، في هذه الطريقة ، أنه لا شبهة يقال فيها : ان النظر فيها قد ولد للمخالف الجهل الا وقد ننظر نحن فيها ولا يحصل لنا الجهل ؛ ولا يجوز أن يختلف حال الفاعلين في ذلك ، لو كان النظر مولدا للجهل ، كما لا يختلف حالهم في سائر المتولدات .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 107
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٠٧