تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 106

مساهمون:

ص١٠٦
لكن الشيء قد يقبح لصفة تخصه ، وقد يقبح لأمر يرجع إلى غيره ، وان كان يرجع في التحقيق إلى صفة تخصه . ومما يبين ما قدمناه أنه قد تقرر في العقل وجوب النظر عند الخوف من تركه . فإذا صح ذلك ، فلو كان فيه ما يولد الجهل ، لم يصح ثبوت وجوبه . لأن القبيح لا يصح أن يجب لتعلق كون الشيء واجبا بكونه حسنا . ولأن من حق الواجب أن يستحق الذم بأن لا يفعله ، والقبيح بالضد من ذلك . ولا يمكن أن يقال : ان النظر في الدليل يحسن والنظر في الشبهة يقبح ، لأن ذلك يولد العلم وهذا يولد الجهل . وذلك لأن الناظر ، في حال فعله النظر ، لا يعلم أن المنظور فيه دلالة أو شبهة . فلو كان النظر في الشبهة يقبح ، لوجب فيمن يشك هل هو ناظر في الشبهة أو الدلالة أن يكون مقدما على قبيح . وفي علمنا بحسن النظر ، مع الشك في حال المنظور فيه ، دلالة على فساد هذا القول . فان قيل : لولا أن النظر في الشبهة يولد الجهل ، لم تسكن نفس الجاهل إلى ما يعتقده . وفي علمنا بسكون نفسه إلى ذلك ، دلالة على أن الّذي أثر ذلك فيه هو النظر . قيل له : قد بينا أن سكون النفس يختص العلم ، وأنه لا يجوز أن يحصل في الجهل / ولا في غيره ، ولا يمتنع أن يتصور الجاهل نفسه بصورة العالم ، ويقدر جهله علما ، وأنه ساكن النفس وان لم يكن كذلك . الا أن الحجة قائمة عليه ، لأنه إذا تأمل حاله علم مفارقة الجهل للعلم . ويلزمه ، إذا كان غير واثق ، أن يشك ويأخذ في النظر اللازم له . وإذا كان اعتقاده ، في الخطأ من الأفعال ، أنه صواب ، ليس يعذر له ، بل يلزمه العدول عنه وعن الاعتقاد الفاسد فيه . وكذلك القول في نفس المذاهب .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 106 | القاضي عبد الجبار الهمذاني