يصح منه في غيره أن يفعله متولدا ومباشرا . واعلم أن الأصل في مقدور القادر أنه يصح منه ايجاده لكونه قادرا عليه ، فإذا ثبت أنه يحتاج إلى سبب في ايجاده حكم به والا وجب استغناؤه عنه ، فما ثبت وجوب وجوده بحسب فعل له آخر حكم بأنه متولد ، وما امتنع ذلك فيه لم يصح وجوده الا مباشرا ، وقد صح أن الاعتماد يختص بأنه يولد في جهته في محله وغير محله الأكوان والأصوات ، وأن الكون يولد التأليف والألم لوجودهما بحسبه ، فيجب كونهما متولدا وثبت فيما عداه / من الأفعال أنه لا يصح أن يولده بالاعتماد من حيث علم من حاله أنه مع ارتفاع الموانع قد يوجد الاعتماد ولا يوجد هو ، فلم يجب صحة كونه متولدا ، وكذلك القول في أفعال القلوب ، ان العلم يقع بحسب النظر فيجب كونه متولدا دون ما عداه ، ولا فرق بين من قاس بعض الأفعال على بعض في ذلك ، وبين من قاس بعضها على بعض في الحاجة إلى الآلة أو إلى المحل أو إلى معنى في المحل ، وفي كوننا قادرين على جميع الأجناس من حيث قدرنا على بعضها ، فإذا لم يصح ذلك فكذلك ما قلناه .
وقد بيّنا من قبل أنه لا بدّ من اثبات مباشر والا لم يصح القول بالتوليد ، لأن اثبات جميعه متولدا يوجب اثبات ما لا نهاية له ، واثبات جميعه مباشرا يوجب ألا يقع المتولد بحسب أحواله فوجب اثباتهما جميعا ، ولا يجب أن تثبت كل الأجناس متولدا ولا كلها مباشرا ، بل يجب كونه موقوفا على الدلالة ، وقد ثبت بالدليل أن فعل القادر منا ينقسم إلى ثلاثة أقسام : منه ما لا يصح أن يفعله الا متولدا كالصوت والألم والتأليف ، ومنه ما لا يصح أن يفعله الا مباشرا كالإرادة وغيرها ، ومنه ما يصح أن يفعله على الوجهين كالكون والاعتماد ، ونحن نأتى من بعد على بيان ما يصح أن يفعله متولدا وما لا يصح ذلك فيه ، فلذلك أخرناه ، ومن قال إنه يجوز أن يفعل في محل قدرته المتولد ، وانما تأتّى ذلك في غير
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 80
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٨٠