تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 4

مساهمون:

ص٤
وقد قال المعتزلة مع القدرية بأن إرادة الانسان حرة ، وأنه قادر على أن يفعل ما يريد ، وفي استطاعته أن يفعل وألا يفعل . قالوا بذلك لينفوا الظلم عن اللّه ، ويفسروا التكليف والوعد والوعيد ، ولكي يكون لارسال المرسل ضرورة . فإنه من الظلم أن يحاسب المرء على ما لم يرد وما لم يعمل ، وأساس التكليف أن يثاب المحسن على احسانه ويجازى المسىء على إساءته ، ولا معنى لارسال رسول وتوجيه دعوة لمن يعرف مقدما أنه لا يستجيب ، بل ولا ترجى اجابته . وإذا كان المعتزلة قد فصّلوا القول في فكرة التوحيد وفلسفوها على نحو لم يسبقوا إليه ، فإنهم أيضا أفاضوا في فكرة العدل ، وفرّعوا منها نظريات وآراء فلسفية متعددة ، وسموا بحق « أهل العدل والتوحيد » . * * * ومن هذه الآراء تقسيم أفعال العباد إلى اختيارية واضطرارية ، مباشرة وغير مباشرة . والأفعال الاختيارية هي التي يقصد إليها العبد عن علم وإرادة ، وهي مناط التكليف كالصلاة والصوم . والأفعال الاضطرارية تحدث من نفسها ولا إرادة للمرء فيها ، كفعل النار للاحراق والرعدة عند البرد ، ونسبتها إلى الانسان أحيانا على سبيل المجاز لظهورها على يديه . والأفعال المباشرة هي التي تترتب على العمل رأسا ، وغير المباشرة آثار ثانوية له ، وتسمى الأفعال المتولدة . يقول الإسكافي ( 240 ه ) : « كل فعل يتهيأ وقوعه على الخطأ دون القصد إليه والإرادة له فهو متولد ، وكل فعل لا يتهيأ الا بقصد ويحتاج كل جزء منه إلى تجدد عزم وإرادة له فهو خارج عن حد التولد وداخل في حد المباشر » « 1 » . والأمثلة على ذلك كثيرة ،
هامش
( 1 ) الأشعري ، مقالات الاسلاميين ، استانبول 1930 ، ج 2 ، ص 409 .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 4 | القاضي عبد الجبار الهمذاني