تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 3

مساهمون:

ص٣

[ الجزء التاسع في التوليد ]

مقدّمة للدكتور إبراهيم مدكور

فلسف المعتزلة أمورا لم يفلسفها أحد بقدر ما صنعوا ، ومن بينها مشكلة التولد . وليست هذه المشكلة في الواقع الا فرعا لمشكلتى الاستطاعة وخلق الأفعال ، أو بعبارة أخرى لمشكلة الجبر والاختيار . وحديث الجبر والاختيار قديم قدم الانسان ، وليس بغريب أن يجرى على ألسنة بعض الصحابة والتابعين ، لا سيما وفي القرآن آيات تؤذن بالجبر ، وأخرى بالاختيار ، وربّ ثالثة بينهما . بيد أنه لم يثر في عمق وتوسع الا في أخريات القرن الأول للهجرة ، ويعد من المشاكل الكلامية الأولى التي نبتت في الاسلام . وتكوّنت حوله فرق ومدارس حاولت كل واحدة منها أن تعزز رأيها بشتى الوسائل ، مستعينة ببعض ما ورد في الفلسفات القديمة ، أو متأثرة بما كان يجريه أمثال يحيى الدمشقي بين المسيحيين من جدل في هذا الموضوع . فجهم بن صفوان ( 128 ه ) رأس الجهمية يقول : ان الانسان مجبور كالريشة في مهب الريح أو الخشبة بين أيدي الأمواج ، وليست له إرادة حرة ولا قدرة على خلق أفعاله . ومعبد الجهني ( 80 ه ) وغيلان الدمشقي ( 110 ه ) على رأس القدرية ينفيان القدر ، ويعلنان أن الانسان حر يفعل ما يشاء . في هذا الجو نشأ الاعتزال ، واتصل رؤساء الجهمية والقدرية بأوائل المعتزلة أمثال وأصل بن عطاء ( 131 ه ) وعمرو بن عبيد ( 144 ه ) ، وبخاصة في مجلس الحسن البصري ( 110 ه ) . وتعتبر مدرسة المعتزلة في الحقيقة الوارث الأول للجهمية والقدرية ، وان خالفتهما في بعض الآراء .