تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 33

مساهمون:

ص٣٣
ألا ترى أن السبب لما كان عندنا موجبا للفعل لم يتعلق وجود المسبب بعد وجوده بالدواعي ؟ فكذلك الطبع ، لو كان موجبا لوجب فيه ألا يتعلق بالدواعي البتة على وجه ، وليس لأحد أن يقول : أليس السبب قد لا يوجب المسبّب الا لشروط ترجع إليه أو إلى المحل ، وان كان هو الموجب له ، وكذلك الطبع ، لا يمتنع ألا يوجب الفعل الا بشرط غلبة الدواعي ، ولا يخرج ذلك من أن يكون موجبا ، وذلك أن السبب انما يوجب المسبّب متى كان المحل محتملا له ، ووجد على الوجه الّذي من حقه أن يولده ، كما أن القدرة يفعل بها إذا صح وجود مقدورها بأن تكون الموانع مرتفعة ، وتكون موجودة على الوجه الّذي يصح الفعل بها ، وكما نقول في الآلة ان الفعل يصح بها على بعض الوجوه متى وجدت على الوجه الّذي تكون آلة فيه ، وانما صح ذلك لأن المسبب يرجع إلى الفاعل ويقع منه لكونه قادرا كالسبب ، وان كان أحدهما يفعل بواسطة ، والآخر يفعل على جهة الابتداء ، وليس كذلك ما قالوه في الطبع ، لأن الطبع ان كان يوجب الفعل في المحل ، لم يصح تعليق الفعل الا به ، فكيف يصح أن تشترط في وقوعه صفة لا ترجع إلى المحل ، بل ترجع إلى / الجملة ؟ ولا فرق بين من جعل من شرط ايجاب الطبع الفعل ما يرجع إلى الجملة من الدواعي وغيرها وان لم يكن بينهما تعلق ، وبين من جعل الشرط فيه سائر صفات المحالّ أو وجود سائر الأعراض ، وانما صح لنا أن نجعل في السبب شروطا لأن تلك الشروط تتعلق به ، لأنها لا يعدو وجودها اما أن يكون ذلك الشرط يرجع إلى كيفية وجوده ، مثل ما نقوله في الصوت انه يتولد عن الاعتماد إذا وقع على جهة الصّكة ، أو يرجع إلى متعلقه ، كقولنا ان النظر لا يوجب العلم دون أن يتعلق بدليل معلوم للناظر أو يرجع إليه كقولنا ان المجاورة انما تولّد التأليف متى كانت حادثة ، وليس كذلك ما قالوه في الطبع ، لأنهم جعلوا الشرط فيه ما لها تعلق له به ، فيلزمهم من الجهالات ما ذكرناه .