كونه عاجزا عما يصح أن يقدر عليه . ولو كان كذلك ، لوجب متى أراد القادر ايجاد هذا المقدور ، أن يكون حدوثه من حيث قدر أحدهما عليه صحيحا ، ومستحيلا من حيث عجز عنه الآخر ، وهذا فاسد متناقض .
ولا يصح أن يقال : انه يجب أن يصح وجوده من جهة القادر منهما ، ولا يؤثر في ذلك عجز الآخر . وذلك لأن من حق المعجوز عنه أن يستحيل وجوده ، كما أن من حق المقدور عليه أن يصح وجوده . فلم صار هذا المقدور بأن يحصل من حيّين ما يصح وجوده لكون أحدهما قادرا عليه ولا يؤثر فيه عجز الآخر ، بأولى من أن يكون من قبل ما يستحيل وجوده لكونه معجوزا عنه ولا يؤثر فيه كون الآخر قادرا عليه ؟
وبعد ، فإن كان وجوده يصح ، كان الآخر قادرا عليه أو عاجزا عنه ، ولا يختلف حاله في صحة وجوده . فمن أين أنه مقدور للآخر ؟ وكيف يصح كون الشيء مقدورا لمن حاله معه وهو عاجز كحاله معه ، وهو قادر ؟
وقد بينا أنه لا يمكن أن يقال : انه يحدث على وجهين ، فيصح وجوده على أحد الوجهين من أحدهما ؛ فان عجز الآخر عنه ، فالاعتراض بذلك ، فيما قلناه ، لا يصح . ولا يمكن أن يقال : ان العاجز لو قدر عليه ، بدلا من العجز ، لكان يصح أن يفعله وان عجز الآخر عنه . وهذا ضرب من التأثير ، يقتضي صحة كونه قادرا عليه . وذلك لأن الّذي به نعلم أنه يصح منه ايجاد ما يقدر عليه ، نعلم به استحالة وجود ما نعجز عنه . فإذا ثبت بما قدمناه ، أن عجزه عنه لا يؤثر في تعذر وجوده ، فيجب أن تكون قدرته لا تؤثر في صحة وجوده ؛ وفي هذا اخراج له من صحة كونه مقدورا له .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 116
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١١٦