فصل في أن الكلام هو الصوت الواقع على بعض الوجوه وإبطال القول بأن الكلام غير الصوت
يدل على ذلك استحالة وجود الكلام المعقول عاريا من الأصوات المقطعة ، واستحالة وجود الأصوات المقطّعة عارية من الكلام ، ولو كان أحدهما غير الآخر لم يمتنع ذلك فيهما على بعض الوجوه ؛ لأن ذلك واجب في كل شيئين مختلفين ، وإلّا لم يكن لنا طريق نعرف به تغايرهما . ولهذا الوجه قال شيوخنا في المحبة :
إنها الإرادة . وفي الحركات : إنها الأكوان ، إلى ما شاكل ذلك .
وقد بينا من قبل أن كل شيئين يجب جواز وجود أحدهما مع عدم الآخر ، إلا أن يحصل بينهما تعلّق يوجب فيهما خلاف ذلك . وقد علمنا أنه لا يمكن أن يحتاج أحدهما إلى الآخر في الوجود ؛ لأن ذلك يوجب صحة وجود الأصوات المقطّعة بلا كلام ، أو الكلام دونها ، كصحة وجود الحياة دون الإرادة . وكذلك إن كان التعلّق الّذي بينهما تعلّق السبب بالمسبّب ، لأنه على اختلافه يصح وجود أحدهما مع عدم الآخر على بعض الوجوه ، ولا يصح أن يكون وجود أحدهما مضمنا بالآخر كالجوهر والكون ، لأن ذلك يجوّز وجود الأصوات المقطعة مع عدم كل جنس من الكلام ، ووجود / الحروف مع عدم كل جنس من الأصوات المقطعة ، كما يجوّز وجود الجوهر مع عدم كل جنس من الكون . ولا يصح أن يكون التعلق الّذي بينهما كتعلق القادر بالفعل ، والقدرة بالفعل ، أو العالم بالفعل المحكم ، أو العلم أو الإرادة بالأمر ، أو لأن فاعل أحدهما يجب أن يفعل الآخر لكونه ملجأ ، أو لأن ما دعا إلى أحدهما يدعو إلى الآخر ؛ لأن كل ذلك مما