وليس لأحد أن يقول : فيجب على هذا القول أن لا يعلم حسن الصدق الا من علم انتفاء سائر وجوه القبح عنه ؛ ووجوه القبح تكثر ، ولا يعلم جميعه باضطرار ، فيجب أن لا يعلم حسن شيء باضطرار . وفي بطلان ذلك دلالة على فساد ما أصّلتموه .
وذلك لأنّ من لم يعلم انتفاء وجوه القبح عن الصدق ، جوّز حصول وجه من وجوه القبح فيه ، ولا يصح أن يعلمه حسنا مع هذا التجويز ، كما لا يجوز أن يعلم حسنه مع تجويزه كونه كذبا ، لأنّ انتفاء وجوه القبح ككونه صدقا ؛ ولو صح مع الشك في انتفائها أن يعلم حسنه ، لصح مع الشك في كونه صدقا أن يعلم ذلك « 1 » ؛ ولو صح ذلك فيه لصح أن يعلم قبح الشيء مع الشك فيما يقتضي قبحه ؛ وهذا بيّن الفساد « 1 » .
وليس يجب إذا كانت القبائح تنقسم ، ففيها ما يعلم باضطرار ، وفيها ما يعلم باكتساب ، أن لا يعلم انتفاؤها عن الصدق ؛ الا من استدل ؛ لأن وجوه القبائح تعلم باضطرار على الجملة ويعلم أنّ بعض ما يختص بذلك قبيح . وانما يحتاج المستدل إلى الاستدلال في أنّ القبيح يقبح لأجله وفي حصوله في بعض المواضع . فإذا صح ذلك لم يمتنع أن يعلم العاقل انتفاء جميع وجوه القبح عن الصدق ، فيعلم عنده حسنه ضرورة .
ولا يكون بهذه الصفة الا ويكون فيه نفع أو دفع ضرر ؛ لأنه لو خلا منهما « 2 » لكان عبثا ، وذلك وجه من وجوه / القبح .
هامش
( 1 ) ولو صح . . . الفساد : وذلك فاسد ط
( 2 ) منهما : عنهما ط