وقد اعتمد من تقدم في أن القديم جل وعز واحد ، على أدلة ، وقد اعترض شيوخنا كثيرا منها ، ونحن نورد الأقوى من ذلك ، ونبين القول فيه :
دليل آخر :
وأحد ما استدل به على أن اللّه سبحانه واحد أن القول بإثبات ثان معه يؤدى إلى أن يستحيل أن يريد أحدهما ما يكرهه الآخر ، من حيث وجب كون كل واحد منهما مريدا بإرادة صاحبه ، وكارها بكراهته ، من حيث وجب كون إرادته وكراهيته لا في محل ، ومن حق كل قادرين أن يصح أن يريد أحدهما ما يكرهه صاحبه ، كما أن من حقهما أن يقدر أحدهما على ضد ما يقدر عليه صاحبه ، فكما أن إثبات قادرين ليس هذه حالهما يستحيل ، فيجب استحالة إثباتهما مع استحالة كون أحدهما مريدا لما كرهه الآخر .
فإن قيل : ما أنكرتم أن إثباتهما قادرين لأنفسهما يصح وإن أدى إلى ما ذكرتموه ؛ لأن العلة التي لها وجب في القادرين منا أن يصح أن يريد أحدهما ما يكرهه الآخر ، هي لأن ما به يريد أحدهما لا يريد به الآخر ، بل يختص به دون صاحبه ، وما به يكره أحدهما من الكراهة لميل ، فلاختصاص كل واحد منهما بالإرادة والكراهة صح فيهما ذلك ، وليس كذلك حال القادرين لأنفسهما ، لأن ما به / يريدان أو يكرهان واحد لا يمتنع إثباتهما قادرين لأنفسهما وإن استحال عليهما ما ذكرتموه . قيل له : إن الّذي ذكرناه من صحة كون أحد القادرين مريدا لما يكرهه الآخر ، في وجوب صحته في كل قادرين ، كصحة كون أحدهما عالما بالشيء مع كون الآخر جاهلا به ، والوجه في ذلك ظاهر ؛ لأن كل موصوف صح أن يستحق صفة من الصفات لم يتعلق استحقاقه لها بموصوف آخر ، فيجب أن لا يصح إثبات قادرين إلا وهذه حالهما ، ولم يحمل الغائب على الشاهد في ذلك حتى يجعل ما ذكرته في سؤالك فرقا بين الأمرين .