الأسلوب الأول : الأسلوب العقلي
قد يرى بعضهم « 1 » أن الغزالي بنقده للفلسفة والفلاسفة أنه عدو شديد للعقل ، وليس هو بصحيح كما يتصوره هذا البعض ؛ إذ أن الغزالي لم يستغن عن البرهان العقلي بشكل مطلق ، وإن انتهج المنهج الذوقي الصوفي في البحث عن الحقيقة ؛ لأنّه يعد العقل من أشرف الأشياء التي منحها الله تعالى إلى الإنسان حيث قال فيه : ( إنّ ما لا ينال سعادة الدنيا والآخرة إلا به ، فكيف لا يكون أشرف الأشياء ، وبالعقل صار الإنسان خليفة الله ، وبه تقرب إليه ، وبه تم دينه . . . ) ، « 2 » ثم قال : وناهيك به شرفا ، أنه قد شبه الله سبحانه العقل بالنور فقال :
اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
، « 3 » أي منورهما ، وأكثر ما يطلق النور في القرآن على العلم في مقابل الجهل ، مثل قوله :
اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ
، « 4 » وإنما كل ذلك بالعقل . « 5 »
في حين أن بعضهم يرى خلاف ما يراه السابقون ، بل يرونه لم يقف قط ضد العقل ، ولم يخفض من شأنه ، أو يقلل من أهميته ، ولكنه حدد نطاقه ، ومجال عمله ، وقد استدلوا على كلامهم بما جاء في كتابات الغزالي نفسه حيث قال : ( فأما العقل إذا تجرد من غشاوة الوهم والخيال لم يتصور أن يغلط ، بل رأى الأشياء على ما هي عليه ، وفي تجريده عسر عظيم . . . ) ، « 6 » وقد نسب خطأ بعض العقلاء أنّه راجع إلى : ( . . . أن فيهم خيالات وأوهاما واعتقادات يظنون أحكامها أحكام العقل ، فالغلط منسوب إليها . . . ) ، « 7 » ولكن لما ذا لم يجعل العقل مطلقا في أحكامه وفي كشف الحقائق ؟ وذلك
هامش
( 1 ) . البرون كارادفو ، الغزالي ، ترجمة عادل زعيتر ، ص 21 ؛ هنرى كوربان ، في تاريخ الفلسفة الإسلامية ، ترجمة نصير مروه ؛ وحسن قبيس ، ومراجعة الإمام موسى الصدر والأمير عارف ثامر ، ص 275
( 2 ) . أبو حامد الغزالي ، ميزان العمل ، ص 119
( 3 ) . النور ، 35
( 4 ) . البقرة ، 257
( 5 ) . زكى محمود ، كتاب الإنسان في فلسفة الغزالي وتصوفه ، ص 79
( 6 ) . المصدر السابق ، ص 82
( 7 ) . المصدر السابق ، ص 82