العالم واحدا ، كان إله العالم وصانعه واحدا لا شريك له في الإلهية ، كما لا شريك له في ذاته ؛ كما « 1 » قال - تعالى - : « 2 »
( أَ فِي اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ )
« 3 » ، وقال - تعالى - :
( وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ * عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ )
« 4 » .
ولذلك المطلب طريق آخر ؛ هو أنّ تشخّص المعلول بتشخّص فاعله « 5 » المفيض لوجوده ، إذ الوجود في كلّ شيء عين تشخّصه ، وتشخّصه عين وجوده ، فمفيض وجوده مفيض تشخّصه . فكما لا يكون لشيء واحد شخصيّ وجودان ولا تشخّصان ، فكذا لا يكون له موجدان مشخّصان ؛ لأنّ أنحاء الوجود والتشخّص متباينة متنافية ، والاتّصاف بكلّ منها يقتضي نفي الاتّصاف بغيره ،
هامش
الشخص الإنساني مرتبط بالآخر ارتباطا طبيعيا ، ومتعلق بالآخر تعلقا عقليّا ، بحيث لا يمكن ولا يتصوّر وجود جزء منه ولا وصوله وبلوغه إلى كماله وغايته ومآله - الذي خلق لأجله - إلّا بالجزء الآخر ، ولا يقدح كثرة أجزائه وتباين أعضائه في وحدته الشخصية وتشخّصه الطبيعيّة ، فكذلك الحال بعينه في العالم وأجزائه حذو النعل بالنعل . وإذا ثبت وتقرّر الوحدة الشخصيّة في العالم والإنسان الأكبر ، فيمتنع استناده إلّا إلى الواحد وصانع فارد . ولما تقرّر في مقرّر من امتناع استناد المعلول الواحد الشخصي إلى علتين مستقلتين ، لاستلزامه إما تحصيل الحاصل أو كون أحد العلّتين معطّلا ؛ والكل محال وباطل . فتدبّر ! ( لأستاذنا حسن النوري - مد ظله - نقلت من خطه . )
( 1 ) مش 1 : - كما .
( 2 ) أصل : - تعالى .
( 3 ) سورهء إبراهيم ، آيهء 10 .
( 4 ) سورهء مؤمنون ، آيات 91 و 92 .
( 5 ) آس ( هامش ) : سرّ كون تشخّص المعلول بتشخّص علّته الفاعلة هو كون وجود المعلول بما هو معلول غير مباين لوجود علّته ، ومتحدا معه - ضربا من الاتّحاد - يعرفه من كان من أهله . قال مولانا ومولى الكونين ( ع ) :
« توحيده تمييزه عن خلقه وحكم التمييز بينونة صفة لا بينونة عزلة » . فتدبّر ! ( لأستاذنا حسن النوري - مد ظله - نقلت من خطّه . )