تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المطالب العالية من العلم الإلهي — صفحة 18

مساهمون:

ص١٨
والثاني : إن الفاعل إذا فعل لأجل غرض . فذلك الغرض إنما يحصل في آخر ذلك الفعل . مثاله : أن من يبني بيتا لدفع الحرّ والبرد ، فهذا المقصود إنما يحصل بعد دخول البيت ، بكماله في الوجود . ولهذا قيل : إن أول الفكر آخر العمل . إذا ثبت هذا فنقول : كون الفاعل فاعلا لذلك الفعل متقدم على دخول ذلك الغرض في الوجود . والمتقدم على الشيء يمتنع كونه معللا بالمتأخر . الثالث : إن حصول ذلك الغرض معلل بكون الفاعل فاعلا لذلك الشيء الذي هو السبب لحصول ذلك النفع ، فلو كان ذلك الغرض علة لتلك الفاعلية لزم الدور ، وهو محال . فيثبت بهذه الوجوه : أن كون الفعل منفعة وحسنا ، ليس علّة لكون الفاعل فاعلا له البتة . وإنما المؤثر في الفاعلية هو علم الفاعل باشتمال ذلك الفعل على ذلك الوجه من الحسن والمنفعة . النوع الثاني من الأشياء التي يظن أنها داعية إلى الفعل وصارفة عنه : إنه يقال : إن وعد اللّه يحمل على الفعل ويدعو إليه ، ووعيده يزجر عن الفعل ويصرف عنه . وهذا أيضا مجاز . بل الحق : أن الداعي إلى الفعل هو علم بما في ذلك الوعد من المنافع والصارف له عن الفعل هو علم بما في ذلك الوعيد من المضار . النوع الثالث : الشك . فإنه يظن أنه إذا بقي الإنسان شاكا في الشيء فإن كونه شاكا يدعوه إلى البحث والطلب ، فصار كونه شاكا داعيا له إلى الفعل . والجواب : إن الشاك في الشيء متردد فيه على التسوية والإقدام على الفعل ترجيح لجانب الفعل والاستواء يناقض الترجيح . وأحد الضدين لا يكون سببا للضد الثاني . أما قوله : إن كونه شاكا قد يحمله على الطلب . قلنا : الداعي هناك إلى الطلب هو العلم والاعتقاد ، وذلك لأنه إذا لم يعلم حال