تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المطالب العالية من العلم الإلهي — صفحة 114

مساهمون:

ص١١٤
السؤال الخامس : إنا كما رأينا في هذا العالم أفعالا محكمة متقنة منسقة منظمة وأنها توهم كون مدبر هذا العالم عالما حكيما ، فقد نرى هذا العالم أيضا مملوءا من الآفات والمخافات والتشويهات في الخلقة والأحوال المنفرة مثل العمى والزمانة والفقر الشديد . ( ونرى الإنسان الكامل في العلم والعمل محروما عن الخيرات الدنيوية ، ذليلا مهينا ، تحت تصرف الجهال والأراذل ) « 1 » ونرى أخسّ الخلق مثل أرذل الصبيان والنسوان ( يحصل لهم الاستيلاء على أهل الدنيا والاستعلاء « 2 » على الخلق وهذه الأحوال غير لائقة بالرحيم العليم الحكيم ، وتقريره ) « 3 » إنه تعالى إما أن يقال : إنه خلق هذا العالم لرعاية حكمة ومصلحة ، أو خلقه لمحض القدرة من غير رعاية الحكمة والمصلحة . فإن كان الحق هو الثاني فحينئذ هذه الوجوه الحاصلة من المصالح ما قصد الفاعل خلق العالم لأجلها ، بل اتفق أنه خصص هذا القسم بالإيجاد والتكوين دون سائر الوجوه من غير أن كان كونها مصلحة ، علة لرجحان هذا القسم على سائر الأقسام ، وإذا كان الأمر كذلك ، فلم لا يجوز أن يقال : مجرد القدرة كافي في إخراج هذه الأشياء من العدم إلى الوجود ؟ وأما إذا قلنا : إنه تعالى خلق هذا العالم لأجل الرحمة والحكمة وإفاضة المنفعة . فنقول : لو كان الأمر كذلك لما خلق فيها أنواع الآفات والمخافات . وحيث حصلت هذه الأشياء ، علمنا أنها إنما حصلت إما لعدم العلم ، وإما لعدم القدرة . وأجيب عن هذا السؤال . فقيل : الإحكام والإتقان يدل على علم « 4 » الفاعل ، لأن الجاهل يمتنع أن يصدر عنه الفعل المحكم المتقن . أما الأفعال الفاسدة الخسيسة فإنها لا تدل على جهل الفاعل لأن العالم يمكنه أن يأتي بالأفعال الفاسدة الخسيسة . فعلم أنه ليس المقصود من السؤال المذكور ما توهمه هذا
هامش
( 1 ) من ( م ) . ( 2 ) الاستعلاء ( س ) . ( 3 ) من ( م ، س ) . ( 4 ) حكمه ( س ) .
المطالب العالية من العلم الإلهي — صفحة 114 | فخر الدين الرازي