تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المطالب العالية من العلم الإلهي — صفحة 110

مساهمون:

ص١١٠
المتقن على سبيل الإتقان مرة واحدة . فالعاجز عن نظم الشعر قد ينطق على سبيل الإتقان بمصراع من الشعر والجاهل بالخط ، قد يكتب حرفا واحدا على الإحكام والإتقان ؛ بالاتفاق والندرة ( وإذا ثبت هذا فنقول : قد ثبت في العلوم العقلية : أن حكم الشيء حكم مثله « 1 » فلما ثبت أن العمل القليل قد يوجد من الجاهل ، وجب أن يكون حكم أمثاله وأشباهه كذلك . وهذا يدل على أن صدور الفعل المحكم المتقن من الجاهل : جائز . والثاني : وهو أنا نشاهد أن النحل يبني البيوت المسدسة من غير مسطرة ولا فرجار ، على أحسن الوجوه ، بل العقلاء الحصفاء الكاملون ، لو أرادوا بناء البيوت المسدسة من الشمع مثل ما يبنيه النحل ، يعجزون عنه والعنكبوت أيضا . إذا أرادت إصلاح بيتها ، فإنها تأتي بأعمال عجيبة في ذلك البناء . والنملة إذا خبأت في جحرها حبات الحنطة فإنها تفلق كل حبة إلى نصفين ، لأجل أنه إذا أصابتها الرطوبة ، فإنها لا تنبت . وعجائب أفعال الحيوانات مذكورة في الكتب . فهذه أفعال محكمة متقنة . فإن دل الفعل المحكم المتقن على علم الفاعل ، وجب القول بأنها أكثر علما من الإنسان ( لأن ما ) « 2 » في هذه الأنواع من الأفعال من وجوه الإحكام والإتقان ، أكثر مما في أفعال الناس . وذلك بعيد جدا . الوجه الثالث : وهو أنا نرى أن الإنسان إذا أراد أن يتعلم صنعة الكتابة أو ضرب الطنبور أو صنعة أخرى ، فإنه في أول الأمر يحتاج إلى أن يستحضر في ذهنه صورة حرف حرف ، وصورة نقرة نقرة ، ومتى كان الإنسان باقيا في هذه الدرجة ، فإنه يكون مقصرا في تلك الصناعة ، ثم إذا واظب على تلك الحرفة على تلك الحرفة مدة مديدة ، وتمرن فيها حصلت له حالة عجيبة تسمى بالملكة في اصطلاح الحكماء ، بأن يصير بحيث يكتب على أحسن الوجوه من غير أن يحتاج إلى استحضار حرف حرف في الخيال ، بل ربما كان مشغول القلب بمهم آخر ، وهو يكتب على أحسن الوجوه . فههنا الفعل المحكم المتقن الواقع على
هامش
( 1 ) من ( م ) . ( 2 ) من ( م ) .