تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مصارع المصارع في الرد على كتاب مصارعة الفلاسفة — صفحة 67

مساهمون:

ص٦٧
هامش
وبوجه آخر : إذا كان واجب الوجود واحدا من كل وجه ، وأوجب عقلا واحدا من كل وجه ، فليوجب العقل أيضا واحدا من كل وجه ، فإنه انما يوجب باعتبار ما استفاده من موجبه لا باعتبار ما له بذاته حتى يلزم أن يترتب الموجود من آحاد متسلسلة الأعداد متعاقبة / 111 وأعيان مختلفة . والوجود يخالف ذلك ، فهو خلف . وهذا منشأ الكثرة . ومن أهل الملل زرادشت قال : إذا صدر عن الأول ملك سماه يزدان ، حدث من ظله شيطان سماه أهرمن . وجعل ذلك الملك مبدءا للخيرات ، وذلك الشيطان مبدءا للشرور . فكأنه جعل الملك طبيعة وجودية ، والشيطان طبيعة عدمية / 112 وهذا بعينه كلام هذا القائل من الحكماء حيث قال : إذا صدر عقل ، لزم أن يكون هو غير الأول ، فغيريته هي ذاته التي ليست موجودا الا من الأول . وبوجه آخر : لا يجوز أن تصدر الكثرة عن الواجب ، فان قول الكثرة في الموجب لم يكن مستفادا من الموجب ، بل من حيث ذاته أنه ممكن وواجب بالغير . والكثرة في الموجب لم تكن باعتبار ذاته ، بل كان / 113 باعتبار الإضافة والسلب . وكثرة الإضافات لا توجب الكثرة في الذات . وبوجه آخر نقول : لو عقل واجب الوجود اثنين ، لزم أن يكون عن جهتين مختلفتين . أليس عقله ابداعه عند الرجل ، ولا فرق بين عقل وابداع ! ؟ فإذا جاز أن يعقل اثنين كليين ، جاز أن يبدع اثنين كليين ، الا أن يلزم هذا البديع الشنيع ، فيقول : لا يعقل الا واحدا كما لا يبدع الا واحدا ، وترك مذهبه أنه يعقل الأشياء من حيث كلياتها وأسبابها . وحينئذ يلزم أن لا يعقل الا ذاته ، وذلك أشنع / 114 . وهاهنا موضع بحث ، [ هل ] الوحدة تطلق على الواجب بذاته وعلى العقل وعلى النفس وعلى سائر الموجودات بأي معنى ، اما بالتواطؤ ، أم بالتشكيك ، أم بالاشتراك ؟ فإن كان بالتواطؤ ، فليصلح جنسا ولينفصل كل نوع بفصل ، وذلك هو التركيب . وان كان بالتشكيك ، فليصلح عاما ولينفصل كل نوع بخاص لازم ، وهو أيضا تركيب . وان كان بالاشتراك ، فلنميز بين وحدة ووحدة بالحقائق الذاتية ، فان المشتركين في الاسم يتباينان بالحقائق والمعاني الذاتية والأزمنة . وإذا لم يتبين التمايز ، كان الكلام في وحدة الباري تعالى لغوا . فلنبين ذلك ، ولنذكر أقسام الوحدة ، حتى إذا قلنا إنه تعالى واحد لا كالآحاد ، كان التوحيد خاصا / 115 .