هامش
وبوجه آخر : إذا كان واجب الوجود واحدا من كل وجه ، وأوجب عقلا واحدا من كل وجه ، فليوجب العقل أيضا واحدا من كل وجه ، فإنه انما يوجب باعتبار ما استفاده من موجبه لا باعتبار ما له بذاته حتى يلزم أن يترتب الموجود من آحاد متسلسلة الأعداد متعاقبة / 111 وأعيان مختلفة . والوجود يخالف ذلك ، فهو خلف .
وهذا منشأ الكثرة .
ومن أهل الملل زرادشت قال : إذا صدر عن الأول ملك سماه يزدان ، حدث من ظله شيطان سماه أهرمن . وجعل ذلك الملك مبدءا للخيرات ، وذلك الشيطان مبدءا للشرور . فكأنه جعل الملك طبيعة وجودية ، والشيطان طبيعة عدمية / 112 وهذا بعينه كلام هذا القائل من الحكماء حيث قال : إذا صدر عقل ، لزم أن يكون هو غير الأول ، فغيريته هي ذاته التي ليست موجودا الا من الأول .
وبوجه آخر : لا يجوز أن تصدر الكثرة عن الواجب ، فان قول الكثرة في الموجب لم يكن مستفادا من الموجب ، بل من حيث ذاته أنه ممكن وواجب بالغير . والكثرة في الموجب لم تكن باعتبار ذاته ، بل كان / 113 باعتبار الإضافة والسلب .
وكثرة الإضافات لا توجب الكثرة في الذات .
وبوجه آخر نقول : لو عقل واجب الوجود اثنين ، لزم أن يكون عن جهتين مختلفتين .
أليس عقله ابداعه عند الرجل ، ولا فرق بين عقل وابداع ! ؟
فإذا جاز أن يعقل اثنين كليين ، جاز أن يبدع اثنين كليين ، الا أن يلزم هذا البديع الشنيع ، فيقول : لا يعقل الا واحدا كما لا يبدع الا واحدا ، وترك مذهبه أنه يعقل الأشياء من حيث كلياتها وأسبابها . وحينئذ يلزم أن لا يعقل الا ذاته ، وذلك أشنع / 114 .
وهاهنا موضع بحث ، [ هل ] الوحدة تطلق على الواجب بذاته وعلى العقل وعلى النفس وعلى سائر الموجودات بأي معنى ، اما بالتواطؤ ، أم بالتشكيك ، أم بالاشتراك ؟
فإن كان بالتواطؤ ، فليصلح جنسا ولينفصل كل نوع بفصل ، وذلك هو التركيب .
وان كان بالتشكيك ، فليصلح عاما ولينفصل كل نوع بخاص لازم ، وهو أيضا تركيب .
وان كان بالاشتراك ، فلنميز بين وحدة ووحدة بالحقائق الذاتية ، فان المشتركين في الاسم يتباينان بالحقائق والمعاني الذاتية والأزمنة . وإذا لم يتبين التمايز ، كان الكلام في وحدة الباري تعالى لغوا .
فلنبين ذلك ، ولنذكر أقسام الوحدة ، حتى إذا قلنا إنه تعالى واحد لا كالآحاد ، كان التوحيد خاصا / 115 .