تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مصارع المصارع في الرد على كتاب مصارعة الفلاسفة — صفحة 66

مساهمون:

ص٦٦
هامش
عدده في عدد معلوم ، لكن الرصد قد دل على أن الأفلاك تسعة ، وقام الدليل على أن لكل فلك نفسا ، ولكل نفس عقلا ، والعقول المفارقة تسعة والنفوس تسع . ثم اعترض على ذلك فقال : أتعبتم أنفسكم معاشر الحكماء عن استنباط أمثال هذه المعاني الدقيقة التي لا يرتضيها الفقيه لنفسه في مظان المظنونات ، ولا يربط بها حكما من الشرعيات ، فكيف الحكيم الذي يتكلم في أعلى علوم الإلهيات / 105 ؟ ! أليس الامكان قضية شاملة لجميع الممكنات ؟ فلئن كان العقل الأول باعتبار امكانه مبدعا للهيولي التي لها طبيعة عدمية ، فكل موجود ممكن حاله في الامكان حال العقل الأول ، فليصلح مبدعا للهيولي . وإن كان العقل باعتبار وجوب وجوده بالأول مبدعا للصورة التي لها طبيعة وجودية ، فكل موجود واجب بالغير حاله في الوجوب حال العقل الأول ، فليصلح مبدعا للصورة ، وليس الأمر كذلك / 106 . ولو عكس الأمر في ترتيب الكائنات حتى يكون العقل الأول آخرا والجسم المركب أولا ، لم يكن الأمر بذلك المستبعد الذي قرره ، فان الجسم انما يتكثر بالصورة والهيولى ، والعقل يتكثر بالوجوب والامكان . فالصورة كالوجوب والهيولى كالامكان ، وإذا جاز أن يصدر عنه شئ هو هيولى وصورة ولا يتكثر الواجب به كما لم يتكثر بذلك / 107 . ونقول : لو كان العقل الأول من حيث إمكانه مكانه موجبا للهيولي ، ومن حيث وجوبه موجبا للصورة ، لكان الموجود الثاني بعد العقل الأول هو الجسم المركب من مادة وصورة ، ولكانت المفارقات بعده في الوجود . وهذا خلاف ما أوردوه في كتبهم في ترتيب الموجودات . وربما يقول ابن سينا في بعض تعاليقه : أن العقل الأول بما يعقل ذاته ، يصدر عنه نفس ، وبما يعقل الأول ، يصدر عنه عقل / 108 . وربما يقول في بعض مصنفاته : أنه يصدر عنه نيف وأربعون عقلا هي المفارقات . وقد تخبط كلامه في هذا الموضع عامة التخبط ، فلم يمكنه أن يورد ذلك بناء على برهان قويم وصراط مستقيم . ومن تعاطى علم ما فوقه ، ابتلى بجهل ما تحته / 109 . ونقول : مثل هذه الوجوه والاعتبارات التي في العقل الأول ، لو أوجبت موجودات عقلية معا متكثرة بأعيانها ولم توجب كثرة في ذات العقل ، لجاز أن يصدر عن الواجب بمثل هذه الوجوه والاعتبارات موجودات عقلية معا متكثرة بأعيانها ، ولا يوجب ذلك كثرة في ذات واجب الوجود حتى يقال : بأن يعقل ذاته ، صدر عنه عقل ، وبأن وجب وجوده ، فاضت عنه نفس ، وبأن عقل العقل الأول ، صدر عنه اما صورة أو هيولى وصورة إلى غير ذلك من التحكمات . فلا يمتاز وجه عن وجه ، ولا اعتبار عن اعتبار / 110 .