والرّحمن هو الّذي يربّ كلّ شيء من المخلوقات باسم يقتضى استحقاق ذلك الشّيء الاستفاضة منه ويحتاج إليه ، فيرحم الرّاحم بكلّ ما يمكنه ان يرحم به على غيره . ولا معنى ألطف وأدقّ في القرآن والحديث من مواقع الأسماء الإلهيّة ، فإنّ اختصاص كلّ اسم بموقفه الّذي ذكر فيه بحيث « 1 » لو جعل مكانه غيره لاختلّ المعنى ؛ فقوله « الرّاحمون يرحمهم الرّحمن » تمهيد قاعدة يبعث المخاطب بالامر الّذي بعده ، وهو « ارحموا من في الأرض » على امتثاله ، فإنّه إذا سمع هذه الكلمة وطّن نفسه على الرّحمة عل من تحته ويشوّقه إلى ما يقبل منه الرّحمة الرّحمانية ، فإذا سمع الأمر سارع إلى الامتثال بعد التّشوّق التامّ قبل سماع الجزاء ، وإذا سمع قوله « يرحمكم من في السّماء » جدّ في العمل واستقام وتمكّن وقويت نيّته وصممت عزيمته .
والمراد ب « من في السّماء » من في الجهة العلويّة من عوالم الملكوت والجبروت ؛ والأظهر أنّ المراد به الحقّ - تعالى - بقرينة ذكر « الرّحمن » قبله ، وإذا رحمه الرّحمن قبله - وإذا رحمه الرّحمن « 2 » - أمدّه بالملكوت السّماويّة والجبروت العالية .
ولا يلزم من التّقييد / 7 -
AD
/ بقوله : « في السّماء » كونه - تعالى - في الجهة ، للدّليل العقليّ الصّارف عن حمله « 3 » على الحقيقة ، فهو مجاز عن العلوّ بحسب المكانة لا بحسب المكان ، وهو علوّ القهر والملك والسّلطنة لقوله :
وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ
« 4 » وقوله :
يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ
« 5 » . ألا ترى إلى قوله - تعالى - :
وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ
« 6 » ! فلو كانت لفظة « في » بمعنى الظّرفيّة والجهة لكانت ألوهيّته في السّماء منافية للألوهيّة في الأرض - تعالى عن ذلك وتنزّه ! - . وفيه مع المطابقة اللّفظيّة لطيفة أخرى معنويّة هي أنّه لمّا أراد تحريك دواعي السّامعين إلى استجلاب الرّحمة العامّة وبعث هممهم على التّخلّق بكلّ ما في الحضرة الرّحمانيّة من الأخلاق بحسب الامكان أورد اسم الرّحمن ، وذلك الاسم هو الّذي لا يكون الاستواء على العرش - الّذي هو صورة تدبير الملك - إلّا به ، والعرش هو السّماء الأوّل الشّامل لكلّ ما في العالم ، فلا ينزّل الفيض إلى كلّ ما حواه العرش ولا يفيض التّدبير الإلهيّ للملك إلّا
هامش
( 1 ) . ع : بحث
( 2 ) . العبارة مكرّرة في النّسختين .
( 3 ) . ع : جملة
( 4 ) . مقتبس من كريمتين 18 ، 61 الأنعام .
( 5 ) . مقتبس من كريمة 10 الفتح .
( 6 ) . مقتبس من كريمة 84 الزّخرف .