تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 533

مساهمون:

ص٥٣٣
القيام بحقّه ، فيقال : من أعظم ملكا أنتم أم سليمان ؟ فيقولون : سليمان ، فيقال : ما شغله ذلك عن القيام بحقّي . ثمّ يقال : أين أهل البلاء ؟ فيؤتى بهم فيقولون لهم : أيّ شيء شغلكم عن عبادة الله ؟ فيقولون : ابتلانا اللّه في الدّنيا فشغلنا عن ذكره والقيام بحقّه ، فيقال لهم : من أشدّ بلاء أنتم أم أيّوب ؟ فيقولون : أيّوب ، فيقال لهم : ما شغله ذلك عن القيام بحقّ اللّه . ثمّ ينادى أين الشّباب والمماليك ؟ فيؤتى بهم ، فيقال لهم : ما شغلكم عن عبادة اللّه ؟ فيقولون : أعطانا جمالا وحسنا فتنّا به فكنا مشغولين عن القيام بحقّه ، وتقول المماليك : شغلنا رقّ العبوديّة ، فيقال لهم : أنتم أكثر جمالا أم يوسف ؟ فيقولون : يوسف ، فيقال لهم : ما شغله ذلك وهو في الرّقّ عن القيام بحقّ اللّه . ثمّ ينادى : أين الفقراء ؟ فيؤتى بهم ، فيقال لهم : ما شغلكم عن القيام بحقّ اللّه ؟ فيقولون : ابتلينا في الدّنيا بالفقر فشغلنا عن القيام بحقّ الله ، فيقال لهم : من أشدّ فقرا عيسى أم أنتم ؟ فيقولون : عيسى ، فيقال : ما شغله عن ذكرنا » . فمن ابتلي بشيء من هذه الأربع فليذكر صاحبه . وقد كان صلى اللّه عليه وسلم يقول في دعائه « اللهمّ إنّي أعوذ بك من فتنة الغنى والفقر » فاعتبروا بالمسيح فقد صح أنه ما كان يملك شيئا قط ، وقد لبس جبة صوف عشرين سنة ، وما كان له في سياحته إلا كوز وسبحة ومشط ، فرأى يوما رجلا يشرب بيده فرمى الكوز ولم يمسكه بعد ، ورأى رجلا آخر يخلل لحيته بيده فرمى المشط من يده ولم يمسكه بعد . وكان يقول عليه السلام : دابتي رجلاي ، وبيوتي كهوف الأرض ، وطعامي نباتها ، وشرابي أنهارها . وفي بعض الصحف المنزلة : يا بن آدم حسنة وسيئة من أنواع الحياة والقتل متعمدا والخطأ أيضا إذا استهين بكفارته ولم يقتص ، فاحذرهما فإنهما فعل عظيم ، والكبائر قد يرجى لصاحبها الشفاعة بعد التخليص ، فأكرمهم يخرج من النار بعد ألف سنة وقد امتحش . وكان الحسن البصري رحمه اللّه تعالى يقول في كلامه : يا ليتني ذلك الرجل ! ولا شك أنه كان رحمه اللّه تعالى عالما بأحكام الآخرة . ويؤتى يوم القيامة برجل فلم يجد حسنه ترجح بها ميزانه أو قد اعتدلت بالسوية فيقول اللّه تعالى له رحمة منه : اذهب في الناس من يعطيك حسنة أدخلك بها الجنة ، فيسير يجوس خلال الناس فما يجد أحدا يكلمه في ذلك ، وكل من كلمه وسأله يقول : أخشى أن يخف ميزاني أنا أحوج إليها منك ، فييأس فيقول له رجل : ما الذي تطلب ؟ فيقول له : حسنة واحدة ، فلقد مررت بقوم لهم منها ألوف فبخلوا علي ، فيقول له الرجل : لقد لقيت اللّه تعالى فما وجدت في صحيفتي إلا حسنة واحدة وما أظن أنها تغني عني سيأخذها هبة مني إليك ، فينطلق بها فرحا مسرورا فيقول اللّه له : كيف جاء لك ؟ وهو سبحانه أعلم ، فيقول ما كان منه مع الرجل ، فيدعى بالرجل الذي أعطاه الحسنة فيقول اللّه تعالى : كرمي أوسع من كرمك ، خذ بيد أخيك وانطلق إلى الجنة ! وإذا استوى كفتا الميزان لرجل فيقول اللّه : لا هو من أهل الجنة ولا هو من أهل النار ، فيأتي الملك بصحيفة يضعها في كفة السيئات فيها مكتوب « أف » فترجع على الحسنة لأنها كلمة عقوق ، فيؤمر به إلى النار ، فيلتفت الرجل