تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 531

مساهمون:

ص٥٣١
يسار العرش لو جعلت البحار السبعة في نقرة إبهامه ما ظهرت فيقول لهم : أنا ربكم ، بأمر اللّه ، فيقولون : نعوذ بالله منك ! فيتجلى لهم ملك عن يمين العرش لو جعلت البحار الأربعة عشر في نقرة إبهامه ما ظهرت فيقول لهم : أنا ربكم ، فيتعوذون بالله منه . ثم يتجلى لهم اللّه تعالى في الصورة التي كانوا يعرفونها وسمعوه وهو يضحك فيسجدون له جميعهم فيقول أهلا بكم ، ثم ينطلق بهم سبحانه إلى الجنة فيتبعونه فيمر بهم على الصراط والناس أفواج ، أعني المرسلين ثم النبيين ثم الصديقين ثم المحسنين ثم الشهداء ثم المؤمنين ثم العارفين ، ويبقى المسلمون منهم المكبوب على وجهه ، ومنهم المحبوس في الأعراف ، ومنهم قوم قصروا عن تمام الأيمان ، ومنهم من يجوز الصراط على مائة عام ، وآخر يجوز على ألف عام ، ومع ذلك كله تحرق النار كل من رأى ربه عيانا لا يضام في رؤيته . وأما المسلم والمحسن والمؤمن فقد كشفنا عن مقام كل واحد منهم في كتابنا المسمى « بالاستدراج » وهم في زمرة الانطلاق قد كثر مرورهم وترددهم بالجوع والعطش ، قد تفتتت أكبادهم ، لهم نفس كالدخان ، يشربون من الحوض بكئوس عدد نجوم السماء ، وماؤه من نهر الكوثر ، وقدره من إيلياء إلى صنعاء طولا ، وعرضه من عدن إلى يثرب ، وهو قوله عليه الصلاة والسلام « منبري على حوضي » أي على أحد حافتيه في المكيال والمقدار ، والمذادون عنه هم المشتغلون في حبس الصراط بمساوي قبائح ذنوبهم ، فكم من متوضئ لا يحسن أن يسبغ وضوءه ، وكم من مصلّ لم يسأل عن صلاته اتخذ صلاته حكاية قد عريت من الخضوع والخشوع لو قرصه نملة لالتفت ، والعارفون بجلال اللّه لو قطعت أيديهم وأرجلهم ما ارتجوا ، لذلك شغلتهم الهيبة والفكرة لعملهم بقدر من قاموا بين يديه ، فربما رجل لسعته العقرب في مجلس أمير من الأمراء لم يتحرك صبرا عليها وتعظيما للأمير في المجلس ، فهذه حالة الآدميين مع المخلوق لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرّا ، فكيف حال من يكون قائما بين يدي اللّه عز وجل وهيبته وسلطانه وعظمته وجبروته ! وحكى الظالم العارف أنه يؤتى به إلى اللّه تعالى فتخرج عليه المظالم ويتعلق به المظلوم فيقول له : التفت أيها المظلوم فوق رأسك ! فإذا بقصر عظيم تحار فيه الأبصار فيقول : ما هذا يا رب ؟ فيقول : إنه للبيع فاشتره مني ! فيقول : ليس معي ثمنه ، فيقول : إن ثمن هذا أن تبرئ مظلمة أخيك فالقصر لك ، فيقول : قد فعلت يا رب . هكذا يفعل اللّه بالظالمين الأوابين وهو قوله تعالى :
فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً
[ الإسراء : 25 ] . والأواب الذي أقلع عن الذنب فلم يعد أبدا ، وقد سمي داود عليه السلام أوابا وغيره من المرسلين .

فصل في كيفية دعاء أهل الموقف وذكر الاختلاف فيما جاء في تفسيره

وفي الصحيح أن أول ما يقضي اللّه تعالى في الدماء ، وأول من يعطي اللّه أجورهم : الذين ذهبت أبصارهم . نعم ينادى يوم القيامة بالمكفوفين فيقال لهم : أنتم أحرى ، أي أحق من ينظر إليه ، ثم يستحي اللّه منهم فيقول لهم : اذهبوا إلى ذات اليمين ! ويعقد لهم راية ، وتجعل في يد
مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 531 | الغزالي