تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 535

مساهمون:

ص٥٣٥
بحسابه ووزنه ، ولعل في تلك اللحظة حاسب فيها آلاف ألوف ما لا يحصي عدتهم إلا اللّه ، كل منهم يظن أن الحساب له وحده ، وكذا لا يرى بعضهم بعضا ، ولا يسمع أحدهم كلام الآخر ، بل كل واحد تحت أستاره . فسبحان من هذا شأنه وهو قوله تعالى :
ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ
[ لقمان : 28 ] . وهو في قوله سر عجيب من أسرار الملكوت ، إذ ليس لملكه حد محدود ، فسبحان من لا يشغله شأن عن شأن ! وفي هذه الحالة يأتي الرجل إلى ولده فيقول له : يا بني إني كسوتك حيث لا تقدر تكسو نفسك ، وأطعمتك طعاما وسقيتك شرابا حيث كنت عاجزا عن ذلك ، وكفلتك صغيرا حيث كنت لا تستطيع دفع الضراء ولا جلب السراء ، فكم من فاكهة تمنيتها فابتعتها لك ، حسبك ما ترى من هول يوم القيامة وسيئات أبيك كثيرة فتحمل عني منها ولو سيئة فيخف عني ، وأعطني ولو حسنة أزيدها في الميزان ! فيفر منه الولد ويقول له : أنا أحوج منك إليها . وكذا يفعل الفصيل مع الفصيلة والصاحب والأخ وهو قوله تعالى
يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ
[ عبس : 34 ، 35 ، 36 ] .
وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ
[ المعارج : 13 ] . وفي الحديث « يحشر النّاس عراة ، قالت عائشة رضي اللّه عنها : ووا سوأتاه ينظر بعضهم إلى بعض ؟ فقرأ النبي صلى اللّه عليه وسلم : لكلّ امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه » . لأن شدة الهول وعظم الكرب تشغلهم أن ينظر بعضهم إلى بعض . فإذا استقر الناس في صعيد واحد طلعت عليهم سحابة سوداء فأمطرتهم صحفا منشرة ، فإذا صحيفة المؤمن ورقة ورد ، وإذا صحيفة الكافر ورقة سدر ، والكل مكتوب ، فتتطاير الصحف فإذا هي بالميامن والمياسر ، وليس عن اختيار ، وإنما هي تقع بيمينه وبشماله وهو قوله تعالى :
وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً
[ الإسراء : 13 ] . وحكى بعض السلف من أهل التصنيف أن الحوض يورد بعد جواز الصراط ، وهو غلط من قائله فإنه تعين أنه يرده من قد جاز الصراط ، ففي السبعة جسور يهلك الناس . والسبعون ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب لا يرفع لهم ميزان ولا يأخذون صحفا ، وإنما هي براءة مكتوب فيها « لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه هذه براءة فلان بن فلان بدخول الجنة ونجاته من النار » فإذا غفرت له ذنوبه أخذ الملك بعضده وجاس به خلال الموقف ونادى : هذا فلان بن فلان قد غفر اللّه له ذنوبه وسعد سعادة لا يشقى بعدها أبدا ، فما مر عليه شيء أسر من ذلك المقام . والرسل يوم القيامة على المنابر والأنبياء والعلماء على منابر صغار دونهم ، ومنبر كل رسول على قدره ، والعلماء العاملون على كراسي من نوره ، والشهداء والصالحون كقراء القرآن والمؤذنون على كثبان المسك . وهذه الطائفة العاملة أصحاب الكراسي هم الذين يطلبون الشفاعة من آدم عليه السلام ونوح حتى ينتهوا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وقد جاء أن القرآن يأتي يوم القيامة في صورة رجل حسن الوجه والخلق فيشفع ، فيشفع الإسلام مثله ، فيخصم ويخاصم عن صاحبه ، وقد ذكرنا حكاية الإسلام مع عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه في كتاب " الإحياء " بعد مخاصمته ، فيتعلق به من شاء اللّه فيهوي بهم