تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 498

مساهمون:

ص٤٩٨
يكن لها زاد ولا رجال من الأخلاق الحميدة ، هلكت المدينة إن لم يدفع عنها البلاء ، وسلب الملك وخربت مدينته ، ونام عنها حارس الذكر ، وتهدمت أبراج الصدق ، وقعد شيطان النفس على سدة أسرار القلب ، وهتك أستار خزائن الأعمال ، ودارت في المدينة عوانية الشك ، وقطعت أشجار المعاملة ، ونهبت أموال الأعمال ، وأكلت ثمار الآمال ، ووقع الشك في الكتاب ، ونفرت النفوس عن مصاحبات الأصحاب ، وعصى كل مولاه ، وتبع كل منهم هواه ، وكبكبوا على مناخرهم في النار وقالوا يا ويلنا
ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ
[ ص : 62 . 63 ] وكل ما الناس فيه من التشكيك والبلايا هي الشبه والحرام ، وإلا فصفّ زادك وانظر لشرح نور الإيمان في سرك وفؤادك ينكشف لك زادك ليوم بعثك ومعادك . هي النفس ما عودتها تتعود ، واعلم أنك نفس المجاهدة تهذب نفسك حتى تصير ملكا روحانيا ، وبمتابعة الغفلة والشهوات تصير شيطانا رجيما . فجاهد النفس الأمارة بالسوء تمح صفات آفاتها حتى تصير لوّامة ، ثم انقل اللوامة إلى مقام المطمئنة كما ينقل السلطان فراشه إلى مقام الكاتب ، ثم إلى مقام الوزير ، ثم يتصرف مع نصحه في ملكه فينظر إلى حسناته فيكون عنده سيئات هذا مقام حسنات سابقه كما قيل : حسنات الأبرار سيئات المقربين . والطريق إلى اللّه بعدد أنفاس الخلائق ، والمقامات تعلو مع الأنفاس ، كان صلى اللّه عليه وسلم يعلو من مقام إلى مقام ، وهي مقامات الكشف والمعارف بها نبه حيث قال : " إنه ليغان على قلبي ، وإني لأستغفر اللّه في اليوم مائة مرة " والرّين أشد من الغين . واسمع نظم أمير المؤمنين علي عليه السلام في النفس :
صبرت عن اللّذّات حتى تولّت * وألزمت نفسي صبرها فاستمرّت
وكانت على الأيام نفسي عزيزة * فلمّا رأت عزمي على الذلّ ذلّت
وقلت لها يا نفس موتي كريمة * فقد كانت الدّنيا لنا ثمّ ولّت
فلا الجود يفنيها إذا هي أقبلت * ولا البخل يبقيها إذا ما تولّت
وما النفس إلا حيث يجعلها الفتى * فإن أطعمت تاقت وإلا تسلّت
فهذبها وعذبها ، وقربها من بابها ، وانظر مقام الأنبياء والأولياء فيها ، واغتنم الثواب والثناء فما ذكر الصادقين كذكر الفاسقين
وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ
[ ص : 88 ] وقد سمعت مقالات اللعابات ، وكم لي كرارا ، فلك لذا التواني غائلة وللقبيح خميرة ، يتبين بعد قليل والناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا . ولكنك كالعود النخر لا يحمل ثمرا ولا يظل بشرا ، وكالمرأة القرعاء التي باهت صاحبات الشعور بشعرها الزور فإذا كشفت عن رأسها هتكت بين جلاسها ، وأنت قد رضيت بقعقعة ثيابك ونذل ثوابك . غدا ترحل القوافل ، وتبقى على الطريق يا غافل ، وتقعد بغير زاد وتقول لشاويش القافلة ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت ، هيهات غلق الرهن فلا يقال . قالوا : يا رسول اللّه ما السر في نقطة دمعة الميت على خده ؟ فقال : " أما الصغير لما