تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 499

مساهمون:

ص٤٩٩
يشاهد من حال أبويه في اللوح ، وأما الكبير فيكاشف بأعماله وانتقال زوجته وأمواله " فبم تتنبه وهذا الحال أنت فيه وبه ، كما قيل : عود نخر ما يحمل ، وأقرع ما يمتشط ، وما يجيء من مربح مزبلة لسبيل . فأنا أرفعك وهمتك تضعك ، لا شك أن الغلبة لك . فمن كانت همته ما يدخل في بطنه كانت قيمته ما يخرج منها . إن فهمت فانتبه ، وإلا فأنت بنفسك أخبر ، ونصحت ولكن لا تحبون الناصحين .

المقالة الرابعة والعشرون في المحبة والشوق والمشاهدة والمكاشفة والمواعظ والزواجر النقلية والعقلية

اعلم أن المحبة جائزة وجارية أولا بين اللّه وأوليائه وقد نوه بها القرآن من قوله :
وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ
[ البقرة : 165 ] وقوله :
يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ
[ المائدة : 54 ] فإن قلت وثارت نفسك الخبيثة : كيف تحب من تراه وليس من جنسك ؟ فقد تحب الصانع لما يظهر من حسن صناعته ، فانظر إلى بساطه وما فيه من بدائع النقوش والخضر والأشجار والثمار والأنهار ، وإلى الفلك وما فيه من الليل والنهار وشموس وأقمار وكواكب كبار وصغار ، فهذه آيات صناعة الصانع دالات على استمرار وجوده ، فسبحان صانع المصنوعات ! فترتيب نفسك إن عقلت أعظم مما رأيت وسمعت . والذي يدلك وهو من أقوى الدلائل في محبته لذة سامع كلامه ، إذ هو معجز لا نظير له ، فيه يستدل على محبة المتكلم ، أما سمعت نظم الشعراء :
وكاعب قالت لأترابها * يا قوم ما أعجب هذا الضّرير
أيعشق الإنسان من لا يرى * فقلت والدّمع بعيني غزير
إن كان طرفي لا يرى شخصها * فإنّها قد صوّرت في الضّمير
وقال جرير :
يا قوم أذني لبعض الحيّ عاشقة * والأذن تعشق قبل العين أحيانا
إنّ العيون التي في طرفها مرض * قتلننا ثم لم يحيين قتلانا
يصرعن ذا اللبّ حتى لا حراك به * وهنّ أضعف خلق اللّه أركانا
وأما الأخبار فكثيرة وقد ذكرناها في كتب الإحياء ، وإشارة من جملتها كافية مثل قوله : " كذب من ادعى محبتي ، وإذا جنّ الليل نام عني " ومثل قوله : " لا يزال عبدي المؤمن يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته صرت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به " الحديث . واعلم أن الحب والعشق واحد ، والأفضل فيه هو هيام العاشق بالمعشوق ، وهو النظر لاستحسان بعض الصور بطريقة الولع به نار عن طريق بخار حاد من خاطر ذكيّ لوذعيّ سبك نيران المجاهدة فطهرت أبخرة نيرانها من وراء مؤخرات الدماغ ، وظهرت ملوحات الفكر