تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 495

مساهمون:

ص٤٩٥
صلوات النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ثم استغفار ودعاء . فهذه وظائفه ، فواظب عليه فإنه يكشف لك من سر الربوبية ما يغنيك عن ملتمس كل حال ، تشاهد الملائكة ، ويخدمك مؤمن الجن ، ويطيعك أعضاؤك ويزول وقر أذنك فتسمع تسبيح الجمادات
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ
[ الإسراء : 44 ] وقد يحصل من ثمر الذكر أكثر ما مر بك في تهذيب النفوس ، ويثمر عليك أيضا ما أثمر على زين العابدين ذي الثفنات السجاد ، فإنه كان يسجد بين الليل والنهار ألف سجدة فأثمر عليه ، كان إذا قام في صلاته يكشف له الكائنات فيطلع على حومة حظيرة القدس . وبه بلغ أصحاب المقامات درجات المكاشفات والسير على الماء والهواء ، وبه سمت الملائكة إلى أعلى قلل الشرف ، واستحقوا دوام البقاء للتنزه عن المأكل والمشرب مع مداومات الذكر وشراب الفكر ، وهو التنزيه والتسبيح من الملائكة ، وبه تجذب الملوك إلى المتزهدين ، وبه تنال مراتب العاشقين ، ويحدث منه خاصة جذب القلوب ، وقد يقف الذاكر الصادق على باب حسن الآداب ، وينحل بالذكر طريق الأسباب ، فتخلع نعل حب الدنيا عن قدم إقدامه ، ويقطع عوسج وساوسهم ببلوغ مرامه ، ويقف على طور صفاء قلبه في وادي تقديس لبه هناك فيسمع كلام ربه :
إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ
[ القصص : 30 ] ويكفيك ما مر بك من قصة أمية بن أبي الصلت الثقفي : كان يترشح إلى طلب النبوة فقال لأخيه : ها أنا أنا فاصطنع لي طعاما ! قال فبينا هو نائم إذ رأيت قد نزل طائران من النافذة فشق أحدهما صدره ثم أخرج منه نكتة سوداء ، فقال أحدهما : أوعى ؟ قال : نعم وعى علوم الأولين ، فقال : أو زكى ؟ فقال : لا ، فقال : ردّ فؤاده إليه فليست النبوة له إنما هي لسلالة آل عبد المطلب . فلما انتبه أخبرته بالقصة فبكى وتمثل :
باتت همومي تسري طوارقها * أغضّ عيني والدّمع سابقها
مما أتاني من اليقين ولم * أوت براءة يقض ناطقها
إمّا لظى عليه واقدة * النّار محيط بهم سرادقها
أم أسكن الجنة التي وعد الأب * رار حفّت بهم حدائقها
هما فريقان فرقة تدخل ال * جنّة مصفوفة نمارقها
وفرقة منهما قد أدخلت الن * ار وسيئاتهم مرافقها
لا يستوي المنزلان ثم ولا ال * أعمال لا يستوي طرائقها
تعاهدت هذه النفوس إذا * همّت بخير عاقت عوائقها
وصدّها للشفاء عن طلب الجن * ة دنيا اللّه ما حقها
عبد وعى نفسه فعاتبها * يعلم أنّ البصير رامقها
ما رغبة النّفس في الحياة لتح * يا طويلا فالموت لاحقها
يوشك من فرّ من منيّته * يوما على غرّة يوافقها
مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 495 | الغزالي