تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 500

مساهمون:

ص٥٠٠
في العشق من متقدمات اليافوخ ، وفتحت مصاريع خلوة القلب فأقعد خيال المعشوق قبالة عين اليقين ، والنفس تصقل مرآة المجاهدة في نظر جمال المحبوب ، والأصل في المحبة هو المنادمة والألفة واستحسان كلام المعشوق ، فعند ذلك تثور همة الطلب بقدح نيران الشوق ، فتستغلب عليه حالة العشق فيصير في الشوارع مجنونا ما صارت نيران الماليخوليا ، فخلط الكلام ، واحترق البلاغم والأخلاط ، وصفقت سماء القلب لتجلي قمر المعشوق ، فيبقى العاشق والها والعا تائها في تجلي جلال المعشوق ، فإذا انكشفت البلاغم فارت عرائس القلب تحمل صواني نثار الأشعار ، ورقصت عرائس الآمال في مجالس الأصوال ، فزمر مزمار التمني ، وضرب مزهر التأني كما قال سابق الرجال :
تمنيتها حتى إذا ما تمثّلت * طربت كأني قد دعوت ولبّت
تمنيتها حتى إذا ما رأيتها * رأيت المنايا شرّعا قد أظلّت
تمنت أحاليب الرعايا وخيمة * بنجد وما يقض لها ما تمنت
فلا تنسيا أن يعفو اللّه عنكما * ولو ما إذا صلّيتما حيث صلّت
فيا ليتني أحجار حائط مسجد * لعزّة إذ فيه تصلّي وولت
ثم هيج الغبار فترى بخار التمني ، ويقوى بخار العناء ، فترى التقسيم الواقع في القلوب ، فهنالك لا نوح ولا قرار ، ويظهر مبادي النحول والصفار ، ويبرز أعراض السهر ، وتقدح نيران العشق لهزال سمان الأبدان ، وينشد المغني من غير توان :
وجه الذي يعشق معروف * لأنه أصفر منحوف
ليس كمن أضحى له جثة * كأنه للذبح معلوف
في الحديث " ينادي مناد في كلّ ليلة : ألا لعن اللّه الأكول النّئوم " ابن آدم لهذا خلقت ؟ تقنع ليخف حسابك ، ويصح جسدك ، ويقل أمراضك ، وينصلح أغراضك ، ويقل منامك ، ويكثر ذكرك ، فيهديك محبوبك إليه ، فيجذبك إلى طاعته ويعصمك عن معصيته . فأكثر من النوافل تفلح والسلام .

ذكر الشوق والمكاشفة

اعلم أن الشوق هو الداعي إلى حالة المكاشفة ، والشوق هو التمني للقاء المعشوق ، ولقاء المعشوق لا يحصل إلا بالمكاشفة ، والمكاشفة إما أن تكون عيانا أو قلبية وهو تجلي المعشوق بحالة يحملها قلب العاشق ، لكن العيان هو أفضل ، بل بشرط جامع بين القلب والعين كحالة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فإنه كاشفه ليلة إسرائه بالتجلي القلبي والنظري لصحة الروايتين عن عائشة وعلي وابن عباس . واعلم أن حقيقة المكاشفة هي عين النظر إلى المحبوب ، ولكن
مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 500 | الغزالي