تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 496

مساهمون:

ص٤٩٦
إن لم تمت غبطة تمت هرما * الموت كأس والمرء ذائقها
وبها مات مصدوع الكبد : منعه شركه عن نيل مقصده ، إذ الشهوات قاطعة ، واللذات مانعة . ومن رام الماء صبر على الكدر ، ومن قطع الليل خلص عن حر الطريق ، ومن جعل نفسه ذات الشهوات كان مسقطه الكنيف والخلوات ، ومن قطع العلو بهمة المجاهدات نال أعظم المراتب بالصبر على المصائب والنوائب . وما صاحب المأكل الكثير يحظى بسوء التدبير وهو مستور لا يفلح أبدا .

المقالة الثالثة والعشرون في جهاد النفس والتدبير

قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : " رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر " قالوا : يا رسول اللّه وما الجهاد الأكبر ؟ فقال : « هي مجاهدة النّفس » وقال صلى اللّه عليه وسلم : « أعدى عدوّك نفسك الّتي بين جنبيك » . وقال صلى اللّه عليه وسلم : « بعثت لأتمّم مكارم الأخلاق » . واعلم أن النفس أخلاقها ذميمة غير مستقيمة ، فإن فيها مع صغر حجمها كما قلناه . ما في السماوات والأرضين ، وهي النار الموصدة فيها ذئاب الغيبة ، وكلاب الشهوة ، وسباع الغضب ، ونمور المخالفة ، وثعالب الحيلة ، وكمين الشياطين بعسكر الهوى ، ومناجيق الامتحان ، ووساوس القبيح ، كل هذا ممكن تحت قلة قلعة النفوس محيط بربضها وحصنها . واعلم أن القلب مدينة وساكنها الملك ، وهي النفس اللطيفة ، المدركة ، العالمة ، الطاهرة ، الربانية ، الخارجة عن صفة النفخة المشار بها إلى الروح ، وهي محجوبة بالأبخرة الظاهرة المتولدة من دم القلب الذي هو الشكل الصنوبري واللحم المجوف . وما هذا هو القلب المخاطب وإنما العقل ، فهو المخاطب من قوله تعالى :
وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ
[ البقرة : 197 ] وقوله تعالى :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ
[ ق : 37 ] وهو معنى قوله :
أُذُنٌ واعِيَةٌ
[ الحاقة : 12 ] والنفس المشار إليها هي أسيرة الشهوات ، مقيدة بقيد الغفلات ، مشوهة مستورة بالخيالات ، عاشقة للدنيا قد أطمعت ببخسها ، فأصبحت محبطة ، سكرى ، قلقة ، حيرانة ، مشغولة بخدمة الجسد الترابي تحمله للكنيف ، مشغولة بتربيته وتغذيته ، ألفته فعشقته ، فإذا فرق بينهما تأسف ، حتى إذا مر عليها بمثل ما خدمته بطول المدة نسبته وأنكرته كأنها ما عرفته ، فإذا ردت إليه نفرت حتى تسمع إشارة القدس
يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ
[ الفجر : 27 ، 28 ] هذا خطاب موجد لموجود غير مفقود إذ لا يجوز خطاب المعدوم ، ومن شواهد ذلك قوله صلى اللّه عليه وسلم : " تعرض علي أعمال أمّتي في كلّ اثنين وخميس ، فما كان من حسنة أسرّ بها ، وما كان من سيّئة أستغفر لها ، اشتدّ غضب اللّه على الزّناة " . وقوله صلى اللّه عليه وسلم : " أكثروا من الصّلاة علي فإنّ صلاتكم علي معروضة " فأيها المكذب المذبذب الغافل المتأول ، أتراك تعجز الصانع القادر ؟ تزعم يا مسكين