تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 494

مساهمون:

ص٤٩٤
واعلم أن هذه الأحوال والمقامات لا يصدقها إلا من عرفها ، كما لا يصدق علم الكيمياء إلا من عالجه وعرفه ، فكل من يكلم عند الصانع الواصل العليم فقد هدي ، فإن الأعمى لا يبصر القمر ، والزمن لا يعدو خلف الطريدة . وأنت تغيب وليس فيك نصيب ، ولا أنت محب ولا حبيب ، بطنك ملاءة وعينك محيطة ولسانك معقود ، وعلمك قليل وأملك طويل ، وذنبك عزيز وربك بصير . فاسمع مناديك في جانب واديك قال : لا تعب الحرائر حتى تكون مثلهم ، واخش بمفلح نادى من وراء اللوح . فأحسن الظن فإنك قد طرحت فطرحت ، وجرحت فجرحت ، ولو أوصلت لوصلت ، ولو خدمت لخدمت ، لكنك متشبت تجعل ط م ع وهي خالية من النقط فهلكت وما ملكت ، وما فاتك فاتك والندم تجده عند وفاتك . واعلم أن اللّه مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ( شعر ) :
قل للكئيب المعنى * إلى متى تتعنّى
فلا حياتك تصفو * ولا بنا تتهنّى

المقالة الثانية والعشرون في الأذكار

واعلم أن الآيات الدالات على الذكر والأخبار كثيرة ، فمن ذلك قوله تعالى :
فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ
[ البقرة : 152 ] وقوله :
اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً
[ الأحزاب : 41 ] وقوله :
وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ
[ العنكبوت : 45 ] وقوله :
وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ
[ الأعراف : 205 ] بين المراتب والأوقات . والذكر الخفي أجمل ، إذ ليس فيه أذى لسامعه ، وهو خالص عن الرياء والنفاق ، مثل صوم السر وصدقته ، والحث عليه كثير . وقد سئل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في رجل يتصدق بمال حلال وآخر يذكر اللّه من صلاة الصبح إلى طلوع الشمس فأي الرجلين أفضل ؟ فقال : " ولذكر اللّه أكبر " . وفي الحديث : " أنه من ذكر اللّه من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس فله أجر من تصدق بمائة ناقة حمراء حملها من ذهب أحمر ، وكأنه قد أعتق ثمانية رقاب من بني عبد المطلب " . ثم الذكر له ثلاث وظائف : فذكر الظاهر بلقلقة اللسان ، فهذا يستحب في التلاوات من هياكل العبادات ، والذكر الخفي أعلى ضروب العبادات والصدقات ، وذكر القلب ، ومنه يحدث الغناء من العالم والاشتغال بالمحبوب : " أنا ذاكر من ذكرني ، وجليس من شكرني ، وحبيب من أحبني . من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ، ومن ذكرني في ملأ من قومه ذكرته في ملإ من ملائكتي " ثم يحصل من الفناء الأول فناء ثان وهو أن يغيب عن النفس لمشاهدة حضرة القدس ، فيصير الذكر لك عادة وعبادة . كشف الموت عنك أعباء الأثقال عدت في عادة ذكرك مع الملائكة الذاكرين ، إذ الخير عادة . ويطاف بك في ساحة حظيرة القدس وتحظى بقرب من ذكرت ، وهو قرب إكرام ومنزل احتشام . ومن هذا الذكر ما هو قرآن ، ثم بعده تسبيح ، ثم
مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 494 | الغزالي