تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 492

مساهمون:

ص٤٩٢
وتوقعك ، وتطمعك ، وتهلكك ، وتملكك ، فاقطع خصالها وخلالها وشرهها وشركها وطمعها وولعها وشبعها " . وفي الحديث : " أنّ الله تعالى لمّا خلق النّفس قال لها : من أنا ؟ فقالت : وأنا من أنا ؟ فعذّبها بأنواع العذاب ، فكلّما قال لها من أنا فتقول وأنا من أنا ، حتّى عذّبها بالجوع والتّواضع ، فقالت : أنت اللّه الّذي لا إله إلّا أنت " فنفسك زنجية تطالبك بالشهوات ، فإذا شبعت طمعت ، وإذا عصيت رفضت ، هي الموقعة في البلايا وهي أم الرزايا ، هي الذئب الكلب ، والأسد الحرب ، والكلب النهم ، والعدو القرم ، داؤها كثير ودواؤها قليل ، وأعظم وسائل السلامة منها الخلاف لها ( شعر ) :
إذا طالبتك النفس يوما بشهوة * وكان عليها للهواء طريق
فخالف هواها ما استطعت فإنّما * هواها عدوّ والخلاف صديق
ولا يجد المريض حسن الشفاء إلا بالصبر على مر الدواء ، فعذبها بما تهذبها ، فقد أنشد البستي لنفسه ( شعر ) :
العاقل يهزابي * والخلوة تهذيبي
ما أصعب أحوالي * ونفسي كالذّيب
فإذا عزمت على تهذيبها فاضربها بسياط تعذيبها ، واقمع بالتواضع كبرها ، واطبخها بنار الامتحان ، واجعل العلم لها سيد الأخدان ، والعمل الصالح لها مولى الخلان . وتعلم الأخلاق اللطيفة ، وتكسب الأعمال الصالحة ، والطف واظرف ، وتكايس ولا تتيابس . واعلم أن اللّه لطيف ، وليس من شأن اللطيف أن يعذب اللطيف والمهذب لنفسه والمعذبها بنيران المجاهدة . واعلم أن الخير عادة والشر لجاجة . فربها بالنوافل ، وهذبها بين يدي شيخك بالسمع والطاعة ، واعلم أن حرمة الشيخ أعظم من حرمة الوالدين ، والشيخ هو الوالد على الحقيقة ، والمرشد إلى الطريقة ، والمخرج للمريد من ظلم الجهل إلى نور المعرفة ، وإلى السعادة الأبدية ، والنجاة الحاصلة ، والالتحاق بالملائكة ، لأن الشيخ هو الطبيب للذنوب ، وأما الوالدان فهاجت نيران شهواتهما لقضاء الوطر ، وجنيت أنت من ثمار الشهوة ما تقدمت نيتهما بإيجادك عند الوطء وكان سببا لإخراجك من ظلم العدم إلى ظلم الجهل ودار المكايدة والعناء ، فقد أجادا نقلا وقصرا عقلا . وأنشدني المعري لنفسه وأنا شاب في صحبة يوسف بن علي شيخ الإسلام :
أنا صائم طول الحياة وإنّما * فطري الحمام ويوم ذاك أعيّد
قد فاز من صبح وليل أو دنا * شعري وأيدني الزمان الأيّد
قالوا فلان جيّد لصديقه * كذبا أتوا ما في البريّة جيّد
فأميرهم نال الإمارة بالخنا * ونقيبهم بصلاته يتصيّد
كن من تشاء مهجّنا أو خالصا * فإذا رزقت حجّى فأنت السيّد
مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 492 | الغزالي