تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 479

مساهمون:

ص٤٧٩
وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ
[ النور : 35 ] هذا معنى قوله تعالى : " لا يزال عبدي المؤمن يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته صرت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، فبي يسمع وبي يبصر ، فمن يبصر ويسمع بي أقل ما أعطيه أن أخرق بيني وبينه روزنة يراني بها ، وينظر من غير مثال ، وأعطيه نورا يفرق به بين حقائق معلومات " . معناه تحمل قلوبهم في صلاتهم إلى حظيرة القدس فيشاهدون جلال الربوبية من الديمومية ، وتظهر لهم شموس المعرفة من صفاء سماء حقائق القلوب ، وتنجلي لهم حالات الآخرة بذاتها مثل ميزان العقل وصراط اليقين ، وهو معنى قوله عليه السلام : " أرحنا بها يا بلال " ومعنى قوله تعالى :
وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ
[ العلق : 19 ] قال جعفر الصادق رضي اللّه عنه : " عند سجود العارف لذي المعارج يرفع الحجاب فيرفع القلوب الطاهرة إلى سدرة المنتهى ، فيتجلى لها أنوار القدس ويفتح لها أبواب جنات حرم الحق ، فيعطي ما تريد لتابعتها لما تريد " كما تمثل فيه بعض أهل التوحيد ( شعر ) :
أريد عطاءها وتريد مني * فأترك ما أريد لما تريد
وإذا صفت القلوب في الصلاة من الوساوس المرذلة ، حظيت بالمشاهدة لرفع غمام الغم وظلم الوساوس عن عرصات القلوب ، فهناك نشاهد الأفلاك والأملاك مثل ما نظمه القاضي البستي :
رؤية الحقّ بالعمى عن سواه * وعيون ترنو به ستراه
هو في الكلّ ظاهر غير أن ال * لهو بالعيش والهواء ستراه
وسأضرب لك مثلا فأقول : اعلم أن القلب كعرصة فيها شجرة أراد أحد أن يصلي تحتها فوجد فيها عشاش طيور بزقازق وهدير منعته عن لذة قراءته ومناجاته ، فإن تشاغل بطرد الطيور فاته الوقت ، فلا سبيل إلى وجود اللذة إلا قطعها ، وأنت قد غرست في قلبك شجرة حب الدنيا ، وملأت الشجرة بوسواس اكتسابك وهمك وغمك ، فإن قطعتها صفا حالك وعظم إجلالك وتجلى جلالك كما قال الجنيد :
تركت همّ الدنيا فصفا عيشي * وتركت همّ الآخرة فصفا قلبي
والسر في الصلاة إنما هو كتقرب الخادم إلى المخدوم إذ يراه في قواليب الذل والانكسار
عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً
[ الإسراء : 79 ] وهو معنى قول سقراط : اشتباك نغمات الأصوات من هياكل العبادات ، تحل ما يعقد في الأفلاك الدائرات . إذ باب خواص الأدعية مفتوح ترجم عنه القرآن :
إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ
[ فاطر : 10 ] وصفة داود مع المزامير معروفة ، كان إذا كان له حاجة جاء بزهاد المجاهدة ، وأقامهم في محاريبهم ، ووكل بكل واحد منهم صاحب مزمار ليقطع بلذة نغمه قلب المريد إلى حاجة داود ، فتسرع الإجابة كإجابة الاستسقاء ، والسحر المعول به متأثرة من الهمة .