تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 216

مساهمون:

ص٢١٦

باب الطهارة

وإذا تطهرت ففكر في صفوة الماء ورقته وتطهيره وتنظيفه ، فإن اللّه تعالى جعله مباركا فقال :
وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً
[ ق : 9 ] . فاستعمله في الأعضاء التي فرض اللّه عليك تطهيرها ولتكن صفوتك مع اللّه كصفوة الماء ، فاغسل وجه قلبك عن النظر إلى غير اللّه ، واغسل يدك عن الامتداد إلى غيره وامسح رأسك عن الافتخار بغيره ، واغسل رجليك عن السعي لغيره ، واحمد اللّه على ما ألهمك من دينه .

باب الخروج

فإذا خرجت من منزلك إلى مسجدك ، فاعلم أن للّه تعالى حقوقا عليك يلزمك أداؤها . من ذلك السكينة والوقار والاعتبار بخلق اللّه برهم وفاجرهم ، قال اللّه تعالى :
وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ
. وغض بصرك عن نظر الغفلة والشهوة ، وأفش السلام مبتدئا ومجيبا ، وأعن من استعانك على الحقّ وأمر بالمعروف وانه عن المنكر إن كنت من أهله وأرشد الضال .

باب دخول المسجد

فإذا بلغت باب المسجد فاعلم أنك قصدت بيت ملك عظيم قدره لا يقبل إلا الطاهر ولا يصعد إليه إلا الخالص ، ففكر في نفسك من أنت ولمن أنت وأين أنت ومن أي ديوان يخرج اسمك ، فإذا استصلحت نفسك لخدمته فادخل فلك الإذن والأمان ، وإلا فقف وقوف مضطرب قد انقطعت عنه الحيل وانسدّت عنه السبل ، فإذا علم اللّه من قلبك الالتجاء إليه أذن لك فتكون أنت بلا أنت ، واللّه يرحم عبده ويكرم ضيفه ويعطي سائله ويبر المعرض عنه ، فكيف المقبل إليه .

باب افتتاح الصلوات

فإذا استقبلت بوجهك القبلة استقبل بوجهك الحقّ ولا تنبسط فلست من أهل الانبساط ، واذكر وقوفك بين يديه يوم العرض الأكبر ، وقف على قدمي الخوف والرجاء ، وارفع قلبك عن النظر إلى الدنيا والخلق ، وأرسل همتك إليه فإنه لا يرد الآبق ولا يخيب السائل . فإذا قلت اللّه أكبر فاعلم أنه لا يحتاج إلى خدمتك له وذكرك إياه لأن الحاجة من جبلة الفقراء وذلك سمة الخلق والغنى عن صفات ذاته ، وإنما وظف على عبيده وظائف ليقربهم بها إلى عفوه ورحمته ويبعدهم بها من سخطه وعقوبته . قال اللّه عزّ وجلّ :
وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها
[ الفتح : 26 ] . وقال عزّ من قائل :
وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ
[ الحجرات : 7 ] . الآية . واشكر اللّه إذ جعلك أهلا للوقوف بين يديه فإنه
أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ
[ المدثر : 56 ] . أهل أن يتقيه خلقه فيغفر لمن اتّقاه .
مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 216 | الغزالي