تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 215

مساهمون:

ص٢١٥

باب الشكر

وفي كل نفس من أنفاس العبد نعمة للّه تتجدد عليه يلزمه القيام بشكرها . وأدنى الشكر أن يرى النعمة من اللّه تعالى ويرضى بما أعطاه ولا يخالفه بشيء من نعمه ، وتمام الشكر في الاعتراف بلسان السر أن الخلق كلهم يعجزون عن أداء شكره على أصغر جزء من نعمه وإن بلغوا غاية المجهود ، لأن التوفيق للشكر نعمة حادثة يجب الشكر عليها ، فيلزمك على كل شكر شكر إلى ما لا نهاية له ، فإذا تولى اللّه العبد حمل عنه شكره فرضي عنه بيسير وحطّ عنه ما يعلم أنه لا يبلغه ويضعفه
وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً
[ الإسراء : 20 ] .

باب اللباس

اللباس نعمة من اللّه على عبده يستر به البشرة ولباس التقوى ذلك خير ، وخير لباسك ما لا يشغل سرك عن اللّه تعالى ، فإذا لبست ثوبك فاذكر محبة اللّه الستر على عباده فلا تفضح أحدا من خلقه بعيب تعلمه منه واشتغل بعيب نفسك فاستره بدوام الاضطرار إلى اللّه تعالى في تطهيره ، فإن العبد إذا نسي ذنبه كان ذلك عقوبة له وازداد به جزءا على المعاصي ، ولو انتبه من رقدة الغفلة لنصب ذنوبه بين عيني قلبه نصبا ولبكى عليه بجفون سره واستولى عليه الوجل فذاب حياء من ربه ، وما دام العبد يرجع إلى حول نفسه وقوتها انقطع عن حول اللّه وقوته ، فاطرح همتك بين يدي الخوف والرجاء :
وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ
[ الحجر : 99 ] .

باب القيام

فإذا قمت من فراشك فأقم قلبك عن فراش البطالة ، وأيقظ نفسك عن نوم الجهالة ، وانهض بكلك إلى من أحياك ، وردّ إليك نفسك ، وقم بفكرك عن حركتك وسكونك ، واصعد بقلبك إلى الملكوت الأعلى ، ولا تجعل قلبك تابعا لنفسك فإن النفس تميل إلى الأرض ، والقلب يميل إلى السماء واستعمل قول اللّه عزّ وجلّ :
إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ
[ فاطر : 10 ] .

باب السواك

واستعمل السواك فإنها مطهرة للفم مرضاة للرب ، وطهر ظاهرك وباطنك عن دنس الإساءة ، وأخلص أعمالك عن كدر الرياء والعجب ، واجل قلبك بصافي ذكره ، ودع عنك ما لا ينفعك بل يضرك .

باب التبرز

وإذا تبرزت لقضاء وطر فاعتبر ، فإن الراحة في إزالة النجاسة ، واستنج ونكس رأس همتك ، وأغلق باب الكبر ، وافتح باب الندم ، واجلس على بساط الندامة ، واجتهد في إيثار أمره واجتناب نهيه والصبر على حكمه ، واغسل شرك بترك الغضب والشهوة ، واستعمل الرغبة والرهبة فإن اللّه تعالى مدح قوما فقال :
إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ
[ الأنبياء : 90 ] .