تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 213

مساهمون:

ص٢١٣

خطبة الرسالة

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم الحمد للّه الذي نوّر قلوب العارفين بذكره ، وأنطق ألسنتهم بشكره ، وعمر جوارحهم بخدمته ، فهم في رياض الأنس يرتعون وإلى أوكار المحبة يأوون ، ذكرهم فذكروه ، وأحبهم فأحبوه ، ورضي عنهم فرضوا عنه رأس مالهم الافتقار ونظام أمرهم الاضطرار ، علمهم دواء الذنوب ، وعرفهم طب القلوب ، فهم مصابيح أنوار حجته ، ومفاتيح خزائن حكمته ، إمامهم القمر الطالع ، وقائدهم النور الساطع ، سيد الموالي والعرب محمّد بن عبد اللّه بن عبد المطلب ، والثمرة الزاكية من الشجرة المباركة ، التي أصلها التوحيد ، وفروعها التقوى ،
لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ ، يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
[ النور : 35 ] .
وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ
[ النور : 40 ] . صلى اللّه عليه وسلم صلاة تلوح في السّماوات آثارها وتعلو في جنان الخلد أنوارها ، وتطيب في مشاهد الأنبياء أخبارها ، وعلى آله الطاهرين وأصحابه المطهرين .

باب البيان نحو المريدين

يدور على ثلاثة أصول : الخوف والرجاء والحب ، فالخوف : فرع العلم ، والرجاء : فرع اليقين ، والحب : فرع المعرفة ، فدليل الخوف الهرب ، ودليل الرجاء الطلب ، ودليل الحب إيثار المحبوب ، ومثال ذلك الحرم والمسجد والكعبة ، فمن دخل حرم الإرادة أمن من الخلق ، ومن دخل المسجد أمنت جوارحه أن يستعملها في معصية اللّه تعالى ، ومن دخل الكعبة أمن قلبه أن يشتغل بغير ذكر اللّه عزّ وجلّ . فإذا أصبح العبد لزمه أن ينظر في ظلمة الليل ونور النهار ويعلم أن أحدهما إذا ظهر عزل صاحبه عن الولاية ، فكذلك نور المعرفة إذا ظهر عزل ظلمة المعاصي عن الجوارح ، فإن كانت حالته حالة يرضاها لحلول الموت شكر اللّه تعالى على توفيقه وعصمته ، وإن كانت حالته حالة يكره معها الموت انتقل عنها بصحة العزيمة وكمال الجهد وعلم أن لا ملجأ من اللّه إلا إليه ، كما أنه لا وصول إليه إلا به فندم على ما أفسد من عمره بسوء اختياره واستعان بالله على تطهير ظاهره من الذنوب وتصفية باطنه من العيوب ، وقطع زنار الغفلة عن قلبه ، وأطفأ نار الشهوة عن نفسه ، واستقام على طريق الحق وركب أمطية الصدق ، فإن النهار دليل الآخرة ، والليل دليل الدنيا ، والنوم شاهد الموت ، والعبد قادم على ما أسلف ونادم على ما خلّف ، يقول اللّه عزّ وجلّ :
يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ
[ القيامة : 13 ] .