تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 155

مساهمون:

ص١٥٥
وقيل : أوحى اللّه تعالى إلى موسى بن عمران عليه السّلام : « من مات تائبا من الغيبة فهو آخر رجل يدخل الجنة ، ومن مات مصرا عليها فهو أول من يدخل النار » . وقيل : دعي إبراهيم بن أدهم إلى دعوة فحضر فذكروا رجلا لم يأتهم بالغيبة . فقال إبراهيم : إنما فعل بي هذا نفسي حيث حضرت موضعا يغتاب فيه الناس فخرج ولم يأكل ثلاثة أيام . وقيل : مثل الذي يغتاب الناس كمثل من نصب منجنيقا يرمي به حسناته شرقا وغربا . وقيل : يؤتى العبد يوم القيامة كتابه فلا يرى فيه حسنة . فيقول : أين صلاتي وصيامي وطاعتي ؟ فيقال : ذهب عملك باغتيابك الناس ، وقيل : من اغتيب بغيبة غفر اللّه له نصف ذنوبه . وقيل : يعطى الرجل كتابه بيمينه فيرى فيه حسنات لم يعملها ، فيقال : هذا بما اغتابك الناس وأنت لم تشعر . وقيل للحسن البصري : إن فلانا اغتابك فبعث إليه طبقا فيه حلوى وقال : بلغني أنك أهديت إليّ حسناتك فكافأتك . وعن الجنيد قال : كنت ببغداد في مكان أنتظر جنازة أصلي عليها فلقيت فقيرا عليه أثر النسك يسأل الناس ، فقلت في نفسي : لو عمل هذا عملا يصون به نفسه كان أجمل به . فلما انصرفت إلى منزلي وكان لي شيء من الورد بالليل فلما قضيته ونمت رأيت ذلك الفقير جاءوا به على خوان ممدود ، وقالوا لي : كل لحمه فقد اغتبته فكشف لي عن الحال ، فقلت : ما اغتبته إنما قلت في نفسي . فقيل : ما أنت ممن يرضى منك بمثله اذهب واستحلله فأصبحت ولم أزل أتردد حتى رأيته يلتقط من الماء أوراقا من البقل مما يتساقط من غسل البقل ، فسلمت عليه ، فقال : يا أبا القاسم تعود ؟ فقلت : لا فقال : غفر اللّه لنا ولك .

الباب السابع والثلاثون في بيان الفتوة

الفتى من تخلى عن تدبير نفسه وماله وولده ووهب الكل لمن له الكل بل ليس له ما يهب فإنها ذهبت في قوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ
[ التوبة : 111 ] . تخلق بقوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ
[ النحل : 90 ] . ما ترك العدل والإحسان من طاعة اللّه تعالى شيئا إلا جمعه ، وما ترك الفحشاء والمنكر من معصة اللّه تعالى شيئا إلا جمعه . فتوة العامة بالأموال ، وفتوة الخاصة بالأموال والأفعال ، وفتوة خاص الخواص بهما وبالأحوال ، وفتوة الأنبياء بهما وبالأسرار ، وهو الذي ليس في باطنه دعوى ولا في ظاهره تصنع ومراءاة ، وسره الذي بينه وبين اللّه تعالى لا يطلع عليه صدره ، فكيف الخلق . ومن شأن الفتى النظر إلى الخلق بعين الرضى وإلى نفسه بعين السخط ومعرفة حقوق من هو فوقه ومثله ودونه ولا يتعرض لإخوانه بزلة أو حقرة أو كذب ، وينظر إلى الخلق كأنهم أولياء غير مستقبح منهم