تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 154

مساهمون:

ص١٥٤
سكون القلب إلى قديم اختيار اللّه تعالى للعبد أنه اختار له الأفضل فيرضى له وهو ترك السخط ، وقال أبو تراب : ليس ينال الرضا من اللّه من الدنيا في قلبه مقدار . وقال سري : خمس من أخلاق المقربين الرضا عن اللّه تعالى ، فيما تحب وتكره والحيلة بالتحبب إليه ، والحياء من اللّه تعالى ، والأنس به ، والوحشة فيما سواه . وقال الفضيل : الرضا أن لا يتمنى فوق منزلته شيئا . وقال ابن سمعون : الرضى بالحق والرضى به والرضا عنه الرضى به مدبرا ومختارا والرضى عنه قاسما ومعطيا ، والرضى له إلها وربا . سئل أبو سعيد : هل يجوز أن يكون راضيا ساخطا ؟ قال : نعم يجوز أن يكون راضيا عن ربه ساخطا على نفسه وعلى كل قاطع يقطعه عن اللّه تعالى . وقال بعضهم للحسن بن علي رضي اللّه عنهما إن أبا ذر يقول : الفقر أحب إليّ من الغنى ، والسقم أحب إليّ من الصحة . فقال : رحم اللّه أبا ذر . أما أنا فأقول من اتكل على حسن اختيار اللّه تعالى له لم يتمن أنه في غير الحالة التي اختارها اللّه . وقال علي عليه السلام : من جلس على بساط السؤال لم يرض عن اللّه في كل حال . وقال الشبلي بين يدي الجنيد : لا حول ولا قوة إلا بالله قال قولك هذا إذا ضيق صدر . فقال : صدقت فقال ضيق الصدر ترك الرضى بالقضاء ، وهذا قاله الجنيد تنبيها منه على أصل الرضى ، وذلك لأن الرضى يحصل لانشراح القلب وانفساحه وانشراح القلب من نور اليقين ، فإذا تمكن النور من الباطن اتسع الصدر وانفتح عين البصيرة وعاين حسن تدبير اللّه تعالى فينتزع السخط والضجر ، لأن انشراح القلب يتضمن حلاوة الحب وفعل المحبوب بوقوع الرضى عند المحب الصادق ، لأن المحب يرى أن الفعل من المحبوب مراده . كما قيل : وكل ما يفعل المحبوب محبوب فالقوم يكرهون خدمة الأغيار ويأبون مخالطتهم أيضا . فإن من لا يحب طريقهم ربما استضر بالنظر إليهم أكثر مما ينتفع بهم . ورد في الخبر : المؤمن مرآة المؤمن . فأي وقت ظهر من أحدهم أثر التفرقة نافروه ، لأن التفرقة تظهر بظهور النفوس وظهور النفوس من تضييع حق الوقت . فأي وقت ظهرت نفس الفقير علموا خروجه من دائرة الجمعية وحكموا له بتضييع حكم الوقت وإهمال السياسة وحسن الرعاية فيعاد بالمناقشة إلى دائرة الجمعية .

الباب السادس والثلاثون في بيان النهي عن الغيبة

قال اللّه عزّ وجلّ :
أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً
[ الحجرات : 12 ] . وعن أبي هريرة رضي اللّه عنه : أن رجلا كان عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقام النبي صلى اللّه عليه وسلم ولم يقم الرجل ، فقال بعض القوم : ما أعجز فلانا : « أكلتم لحم أخيكم واغتبتموه » .