تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 152

مساهمون:

ص١٥٢

الباب الحادي والثلاثون في بيان الشكر ، ولواحقه السرور ، لأنه من أحواله والحكمة لأنها من أعماله

أما العلم الذي هو سبب الشكر : فهو أن تعلم أن النعم كلها من اللّه تعالى وحده . وهذا واجب ، لأنه من الإيمان بالله تعالى قال اللّه تعالى :
وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ
[ النحل : 53 ] . وشكر المنعم واجب وهو من الإيمان . وأما الحال الناشئ عن هذا العلم فهو الفرح والسرور بأنعم اللّه فهذا الفرح شكر بنفسه ، لأنه مراد لذاته وهو واجب لأنه من الإيمان بالله تعالى وهو ثمرة الإيمان بالله تعالى . وأما عمل الشكر : فهو مراد لذاته ولغيره أما كونه مرادا لذاته فلأن العمل باستعمال النعمة فيما خلقت له من تمام الحكمة . وأما كونه مرادا لغيره فلحفظ النعم الموجودة والزيادة عليها . وعلى الجملة ، فالشكر هو استعمال النعمة فيما خلقت له فمن اعتدلت له أحواله حتى وضع كل شيء موضعه كان حكيما لأن الحكمة وضع كل شيء محله علما كان أو عملا وبالله التوفيق .

الباب الثاني والثلاثون في بيان التوكل ولواحقه التفويض والتسليم والثقة والرضى لأنهن من آدابه

أما العلم الحامل على التوكل : فهو أن تعلم أن اللّه قائم بنفسه وأنه مقيم لغيره ، ثم تعلم سعة علمه وحكمته وكمال قدرته . وأما الحال الناشئ عن هذا العلم : فهو اعتماد القلب على اللّه تعالى وسكونه ، وعدم اضطرابه لتعلقه بالله تعالى ، ولا يجب على من علم التوكل وحاله إلا ما يكف عن الأسباب المحظورة . والتوكل مع شرفه منخفض الرتبة عن التفويض والتسليم ، لأن غايته طلب جلب النفع ودفع الضر ، والتفويض والتسليم حقيقتهما الانقياد والإذعان للأمر والنهي وترك الاختيار في جملة ما حكم اللّه تعالى به . وأما الثقة : فمعناها الربط على القلب وعدم الانفصام على ما حواه من التصديقات وهي حالة مكملة لجميع المقامات والأحوال . وأما الرضى : فإنما يكون بعد المقضي به ، والتفويض والتسليم يكون قبل المقضي به والقدر الواجب من الرضى هو أن يكون راضيا بعقله وإن كان كارها بطبعه ، لأن الكراهية لا تدخل تحت اختيار العبد ، فمن كره بعقله شيئا مما امتحن اللّه تعالى به عباده في الدنيا والآخرة أو شكا بلسانه أثم وخرج عن واجب الرضى وبالله التوفيق .