تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 158

مساهمون:

ص١٥٨
هم الدنيا والآخرة ، ومن تشعبت عليه الهموم لم يبال اللّه تعالى في أي أوديتها هلك ، جميع الدنيا من أولها إلى آخرها ما تساوي غم ساعة ، فكيف بعمرك القصير مع قليل يصيبك منها ، من رضي بما قسم اللّه له بارك اللّه له فيه ووسعه عليه من اكتفى عن السؤال فقد أعطي خير النوال ، من احتجت إليه هنت عليه . إذا أردت أن تعيش حرا فلا تلزم مؤنة نفسك غيرها والزم القناعة ، كيف يليق بالحر المريد أن يتذلل للعبيد وهو يجد عند مولاه كل ما يريد ، ولو يعلم الناس ما في المسألة ما سأل أحد شيئا . ولو يعلم الناس ما في حق السائل ما حرموا من سألهم أبدا ، لو صدق السائل ما قدس من رده . ما من رجل سأل رجلا حاجة فقضاها أو لم يقضها إلا غار ماء وجهه أربعين يوما .

الباب الحادي والأربعون في بيان الشفقة على خلق الله تعالى

اعلم أن الشفقة على خلق اللّه تعالى تعظيم لأمر اللّه تعالى ، وذلك أن تعطيهم من نفسك ما يطلبون وأن لا تحملهم ما لا يطيقون ، وأن لا تخاطبهم بما لا يعلمون ، ولا بما يعلمون ، وأن يسرك ما يسرهم ، وأن يحزنك ما يحزنهم وفكرك في كيفية تحصيل منفعتهم الدينية والدنيوية إليهم ، وكيفية دفع ما يضرهم في دينهم ودنياهم حتى لو سقط الذباب على وجه أحدهم لوجدت لها ألما في قلبك ، وأن تكون لأن تحفظ قلب مؤمن شرعا أحب إليك من كذا وكذا حجة وغزوة ، وأن تختار عز أخيك على عزك وذل نفسك على ذل أخيك .

الباب الثاني والأربعون في بيان آفة الذنوب

طوبى لمن إذا مات ماتت ذنوبه ، قيل : أعظم الذنوب من ظلم من لم يعرفه ولم يره . من أطاع اللّه تعالى سخر له كل شيء ، ومن عصاه سخره لكل شيء وسلط عليه كل شيء ، لو لم يكن في الإصرار على الذنب من الشؤم إلا أن يكون كل ما يصيبه فهو عقوبة من سعة أو من ضيقة أو صحة أو سقم لكان كافيا ، ولو لم يكن في ترك المعصية إلا ضد ذلك لكان كافيا . إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه . ليست اللعنة سوادا في الوجه أو نقصا في المال إنما اللعنة في أن لا يخرج من ذنب إلا وقع في مثله أو شر منه . لا تكن في التوبة أعجز منك في الذنب ما أنكرت من تغير الزمان والإخوان والزوجات ، فالذنوب أورثت ذلك حتى في خلق الدابة وفأر البيت ، ونسيان القرآن ، أو شيء من العلم ، أو نقل تلاوته من الأحرار ، والعقوبة موضوعة للشدة والمشقة ، فعقوبة كل من حيث يشترك حتى الاحتلام وقد تكون عقوبة الذنب ذنبا مثله إذا عظم كثواب الطاعة . ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .