تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموع كتب ورسائل الإمام القاسم بن إبراهيم الرسي — صفحة 486

مساهمون:

ص٤٨٦
يكونوا : من الذين قال اللّه : قال تعالى :
وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ
[ الزمر : 60 ] و : قال تعالى :
تَرْهَقُها قَتَرَةٌ ( 41 )
[ عبس : 41 ] « 1 » فلم يكذبوا على ربهم إذ سمعوه عز وجل يقول : قال تعالى :
لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ
[ الأنعام : 103 ] ، وهذه مدحة للّه وحسن ثناء عليه وتعظيم له ، فاستيقنوا أن الثناء والمدح عن اللّه غير حائل في الدنيا ولا في الآخرة ، وأبصروا بيقينهم في القيامة إلى وجوه ابيضّت ، فهي ناضرة مستبشرة ضاحكة مسفرة ، إلى ربها ناظرة في روح وجنات عالية ، يخبرون فيها بصدقهم عن اللّه في القول والعمل له ، والموافقة له في الأيام الخالية ، فلذلك وضع القوم كلامهم من ربهم حيث وضع الرب ، ولم يقولوا بغير ما قال اللّه لهم ، وقالوا : كما قال لهم ربهم إلى ثواب ربها ناظرة ، ولم يقولوا لربها مجاهرة . وإنما الشيء إذا جوهر نظر إليه بالعيان لا بالوجه ، لأن الوجه غير العين ، ولو كان ما قالوا على ما ادعوا لقال اللّه في كتابه أعين إلى ربها ناظرة ، لأن الوجه لا يرى ولا يبصر ، وإنما البصر للرؤية والعينين اللتين في الوجه ، فهذه معان لطيفة مفصلات في النظر . وقد قال إبراهيم الخليل ، لابنه إسماعيل ، صلى اللّه عليهما :
إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ما ذا تَرى
[ الصافات : 102 ] . وليس ذلك رؤية حسّ ، ثم قال : انظر ما ذا ترى ، ولم يرد إدراك العين ولا إحاطة البصر ، في قوله : ما ذا ترى في الذبيح أن يسلم لربه نفسه ، ويجود له بها ، فرأى موافقة أبيه في طاعة ربه بما أمره ، فأمكنه من ذبحه واستسلم لربه ، وليس ذلك النظر بالعين ورؤيتها . وكان مما احتج به القوم أن قالوا : إن موسى صلى اللّه عليه سأل ربه فقال :
رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ
، وقد بينا ما أراد موسى بقوله :
رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ
، ولم يكن ذلك سؤالا للنظر الذي هو رأي العين ، بالإحاطة والتحديد جهرة ، وقد رأينا اللّه عز وجل : ذكر في كتابه حدث موسى في قتله القبطي ، وما أخبرنا سبحانه عن آدم صلى اللّه عليه في معصيته بأكل الشجرة ، وسمعناه عز وجل يذكر في كتابه أحداث
هامش
( 1 ) في جميع المخطوطات : عليها قترة .