تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموع رسائل الإمام الهادي إلى الحق القويم يحيى بن الحسين بن قاسم بن إبراهيم — صفحة 563

مساهمون:

ص٥٦٣
منه على ما قد علم من صيرورة أمره . فاجتمعت لرسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ثلاث خصال : ابتداء اللّه لإعطائه ما أعطاه من حجة العقل التي ساوى بين العباد فيها في الابتداء لتقوم له بذلك عليهم الحجة في بلوغ أداء فرائضه ، واستدراك معرفته ، والإقرار بوحدانيته ؛ وكرامة اللّه له وزيادته في ابتدائه بما ابتدأه به على قدر علمه لصيرورة أمره واجتهاده في طاعة ربه ، واقتدائه فيما أمر بالاقتداء به وفي ذلك ما يقول اللّه سبحانه :
وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ
[ محمد : 17 ] ، فكملت له صلى اللّه عليه وآله وسلم هذه الثلاث الخصال ، واجتمعت ، والتأمت وتمت مع غيرها من توفيق اللّه لنبيه صلى اللّه عليه وآله وسلم ، وتسديده وتأييده ومعونته ، فعاد ذلك كله زيادات في عقله ، وصار له حبيبا في كل أمره . فكيف يلحق به أبو جهل اللعين ، أو يشابهه أو يساويه في شيء من عطاء رب العالمين ؟ ! وأبو جهل فلم يستحق من اللّه تعالى زيادة في شيء من أمره ، لا بنية صالحة نواها ، ولا بطاعة للّه من ذلك أتاها ؛ فيستحق على نيته ابتداء ، وعلى ما ظهر من عمله بالصالحات جزاء ، فلم يكن معه - عليه لعنة اللّه - غير ما كان من ابتداء حجة اللّه المركبة في صدره ، المجعولة في قلبه ؛ لتكمل بها عليه الحجة ، فترك استعمالها ، ورفض النصفة لها ؛ فصار بذلك ظالما لما في صدره من حجج اللّه ، فاستوجب لمكابرته لحجج اللّه عذاب اللّه وسخطه ، وخذلانه ولعنته . فكابر أبو جهل ما زرع في قلبه ، ورفض ما أمر به من أمر ربه ، فاستأهل من اللّه جزاء سيئ فعله ، وحاق به كسب عمله ، وصار في الضلالة متحيرا ، وفي اللعنة من اللّه متصيرا ، بما كان له من حجج اللّه في صدره مكابرا . فلن تستوى حال من كان عند اللّه مرضيا مهتديا ، وكان له وليا مواليا ؛ وحال من كان مسخوطا عند اللّه مخيبا ، وله سبحانه عدوا معاديا في كل حال من الحال ، وفي كل قول وفعال . لا يستوي ولي اللّه وعدو اللّه عند اللّه في حالة ، ولا تتقارب منهما عنده منزلة ، لا في ثواب ولا في عطاء ، ولا في زيادة ولا هدى . حال أولياء اللّه عند اللّه حال الكرامة والثواب ، وحال أعداء اللّه عند اللّه حال الخذلان والعقاب . فالحمد للّه الذي ميز بين خلقه ، وصدقهم في ذلك ما أوجب لهم من وعيده ووعده .