فروضه عليهم كلهم سواء ، فتساوى المعنيان من اللّه في ذلك معنى الفرض والمعنى الذي ينال به الفرض ، فكانت فرائض اللّه على عباده كلهم سواء وجاء ما تعبدهم به منها سواء على المساواة والاستواء . وكذلك جاءت أصول ما أعطاهم اللّه من حجة العقل التي ينالون بها أداء هذه الفرائض على قياس ذلك سواء ، فاستوت المفروضات عليهم ، والحجة التي ينالون أداءها بها فيهم ، فساوى اللّه سبحانه بينهم في إثبات الحجة عليهم ، وإكمال البراهين فيهم ، وإيجاد السبيل لكلهم ، إلى أداء فرضه وبلوغ طاعته ، فكان ما أعطوا من أصل حجته العقل في ذلك بينهم سواء ، كما كان الفرض عليهم كلهم سواء .
تفضيل اللّه لمن يشاء في الزيادة في العقول
ثم فضل اللّه تبارك وتعالى من يشاء بعد المساواة بينهم ، والاكتفاء بما شاء بعد ذلك من الأشياء ، فلم « 555 » يكن لعباد اللّه حجة على اللّه ، كما لم يكن لهم حجة فيما خلق وجعل وفطر من الأشياء ، وفعل من جعله لبعضهم أهل جمال وهيئة ، وجلد وهيبة ، وجعل بعضهم أهل لطافة ودمامة ، وأهل قلة وسماحة ، فمن تكلم فيما فضل اللّه به بعض الخلق على بعض في زيادات العقل ، وجب عليه أن يجيب فيما فضل اللّه به بعضهم على بعض فيما ذكرنا من زيادة الخلق في حسن الألوان وعظم الأبدان ، والكمال والبيان . . . لا يجد من ذلك بدا ؛ لأن المعنى فيهما واحد مؤتلف ، متساو غير مختلف .
وليس في ذلك للخلق على اللّه حجة ، ولا يلحق به سبحانه لمتعنت تجوير ولا ظلم ، ولا يثبت به عليه حيف ولا غشم « 556 » ؛ لأنه حكيم يمضي ما كان فيه الحكمة على كره من كرهه ، وإرادة من أراده ؛ لأن الحكمة هي رأس الحق وأصله ، والحق فلا يتبع أهواء العباد ، ولو اتبعه لفسدت البلاد والعباد ، كما قال ذو العزة والأياد حين يقول :
وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ
[ المؤمنون : 71 ] .
هامش
( 555 ) في ( أ ) : ولم .
( 556 ) الظلم . من هامش ( أ ) .