تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموع رسائل الإمام الهادي إلى الحق القويم يحيى بن الحسين بن قاسم بن إبراهيم — صفحة 198

مساهمون:

ص١٩٨
ولا يعجزه « 156 » مستصعب من الأمور . إذا شاء شيئا كان بلا كلفة ولا اضطرار ، وليس المشيئة منه بالنية والإضمار ، ولا بالمهلة والانتظار ، مشيئته للأشياء إيجادها ، وإيجادها مشيئته ، فتبارك من كوّن الأشياء بقدرته ، ودل على نفسه بما ابتدع من فطرته . فإن قال : قد فهمنا ما ذكرت وشرحت من الاختلاف بين العلم والقدرة وبين الإرادة والمشيئة ، فما تنكر أن يلتئم هذا كله في أحد المعنيين ، في أفضلهما وأقواهما وأكبرهما وأعلاهما ؟ قيل له : أنكرنا التئام ذلك كله على معنى واحد من أحد هذين الوجهين ؛ لأنا علمنا أنا لو حملنا الإرادة والمشيئة على معنى العلم والقدرة ، وقد علمنا وصح في معقولنا أنهما غير محدثين ، ولا مخلوقين ، وأن اللّه القادر العالم بنفسه ، لوجب علينا أن نقول إن المشيئة والإرادة غير محدثتين ، ولا مخلوقتين وأنهما صفتان للقديم الواحد الدائم الماجد ؛ لأنه لا يكون قديما إلا اللّه وحده لا شريك له ، فلو قلنا ذلك ، لوجب علينا أن نقول : إن اللّه سبحانه قد شاء إغراق فرعون وقومه قبل خطيئتهم وعصيانهم له ، فتعالى عن ذلك علوا كبيرا ، ولوجب علينا أن نقول : إن اللّه قد شاء أن يسخط على إبليس ، وشاء إخراجه من الجنة قبل خطيئته وعصيانه له . وقد بين وأخبر ربنا عن نفسه أنه لا يشاء عقوبة عبد من عبيده إلا من بعد الإعذار والإنذار . فإنا لو حملنا العلم والقدرة على معنى الإرادة والمشيئة ، وقد علمنا وصح عندنا أنهما حادثتان ، ولو قيل بذلك ، لكان يلزم من قال به أن يكون قد ألحق باللّه تعالى عن ذلك الجهل في الدهر الذي كان قبل تكوين العلم وإحداثه ، ولكان يلحق باللّه في قوله العجز ، إذ كانت القدرة حادثة فيما كان قبل تكوين القدرة وإحداثها . فسبحان المتعالي عن قول القائلين ، وعن كل وصف الواصفين ، فقد بان وللّه الحمد
هامش
( 156 ) من ( ج ) وفي الأصل : ( يعوزه ) .