تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المبدأ والمعاد — صفحة 48

مساهمون:

ص٤٨
في اوّل الفطرة أن يكون شئ لا نهاية له في جهة له طرف يحتمل عليه الزّزيادة . وكثير من العقلاء يجوّزون هذا في الوجود ، ولكنّ العقل بالحجّة يمنع هذا فيما يقوم عليه البرهان ، وذلك كلّ مقدار ذي وضع ، وعدد له ترتيب في الطبع . ثمّ هاهنا فانّ الزيادة ليست على ما لا يتناهى ، لأنّ الزيادة زيادة على مزيد عليه موجود ، وليس هاهنا شئ موجود البتة غير متناه يزاد عليه ، أو يكون أقلّ أو أكثر بوجه . ونحن لا نمنع في المعدومات أن يكون ما لا نهاية له أكثر وأقلّ ، فانّ العشرات التي لا نهاية لها أقلّ من آحادها ، والمئون أقلّ من عشراتها ، ويجوز أن يكون ما لا نهاية له وأضعافا كثيرة ، فانّ اللا نهاية في الزمان ، وفي الحركة ، وفي العدم ، والكائنات الفاسدات . واللا نهاية التي في جميعها أكثر من التي في الواحد منها . فان قال قائل : هذا ليس ما لا نهاية له إلّا بالقوّة . فنقول : امّا في الماضي فليس ما لا نهاية له ، لا بالقوّة ولا بالفعل ، ولكن نعنى بقولنا « لا نهاية لما في الماضي » أنّ أىّ واحد احدث فقد كان قبله واحد ، وعدم ، لا أنّ هناك جملة أو كلّا هو بالفعل غير متناه . وربما قال قائل من هؤلاء : إنّ الحاضر متوقّف في وجوده على قطع ما لا نهاية له ، وكلّ متوقّف على ما لا نهاية له فلا يوجد . وهاهنا مغالطة في استعارة لفظة « التوقّف » فانّ لفظة « التوقّف » إنّما تدلّ في الحقيقة على شئ مزمع الوجود بعد وجود شئ مزمع الوجود قبله ، وليس أحدهما ، في وقت ما يقال : إنّه يتوقّف ، بموجود ، بل إنّما يقعان في المستقبل . ونحن نقول : إنّ ما كان هذا سبيله وكان متوقّفا على ما لا يتناهى فمحال أن يوجد ، ولكن ليس « الآن » الحاضر هذا شأنه ، فانّه لم يتوقّف قطّ بهذا المعنى ، حتّى لا يكون هو ولا شئ من الأشياء قبله ، ثم لا يحتاج أن يوجد ما لا يتناهى من ذلك الوقت حتّى يوجد هو ، فإذا الصغرى كاذبة .
المبدأ والمعاد — صفحة 48 | أبو علي سينا