تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المبدأ والمعاد — صفحة 18

مساهمون:

ص١٨
على انّهما واحد بالحقيقة - يكون ذاته بذاته أعظم عاشق ومعشوق ، وأعظم لاذّ وملتذّ ، فانّ اللذّة ليست إلّا إدراك الملائم من جهة ما هو ملائم ، فالحسيّة إحساس بالملائم والعقليّة تعقّل للملائم ، وكذلك . فالأوّل أفضل مدرك بأفضل إدراك لأفضل مدرك ، فهو أفضل لاذّ وملتذّ به ، ويكون ذلك أمرا لا يقاس إليه شئ . وليس عندنا لهذه المعاني أسامي غير هذه الأسامى ، فمن استبشعها استعمل غيرها . ويجب أن يعلم أنّ إدراك العقل للمعقول أقوى من إدراك الحسّ للمحسوس ، لانّه ، أعنى العقل ، يعقل ويدرك الأمر الباقي الكلّى ، ويتّحد به ويصير هو هو ويدركه بكنهه لا بظاهره ، وليس كذلك الحسّ للمحسوس . فاللذّة التي تجب لنا بأن نتعقّل ملائما هي فوق التي لنا بأن نحسّ ملائما ، ولا نسبة بينهما . ولكنّه قد يفرض أن تكون القوّة الدرّاكة لا تستلذّ بما يجب أن تستلذّ به لعوارض . كما أنّ المريض لا يستلذّ الحلو ويكرهه ، لعارض ، فكذلك يجب أن نعلم من حالنا ما دمنا في البدن . فانّا لا نجد إذا حصل لقوّتنا العقليّة كما لها بالفعل من اللذّة ما يجب للشئ في نفسه ، وذلك لعائق البدن . ولو انفردنا عن البدن لكنّا - بمطالعتنا ذاتنا وقد صارت عالما عقليّا مطابقا للموجودات الحقيقيّة والجمالات الحقيقيّة والكمالات الحقيقيّة واللذيذات الحقيقيّة ، متّصلة بها اتّصال معقول بمعقول - نجد من اللذّة والبهاء ما لا نهاية له ، وسنوضح هذه المعاني بعد . واعلم أنّ لذّة كلّ قوّة فحصول كمالها لها ، فللحسّ المحسوسات الملائمة ، وللغضب الانتقام ، وللرجاء الظفر ، ولكلّ شئ ما يخصّه ، وللأنفس الناطقة مصيرها عالما عقليّا بالفعل . فالواجب الوجود معقول ، عقل أو لم يعقل ؛ معشوق ، عشق أو لم يعشق ؛