عن الفلك بالرصد والحسّ صورته المعقولة ؛ وقد تكون الصورة الموجودة مأخوذة عن المعقولة ، كما أنّا نعقل صورة ما نخترعها ، ثم تكون تلك الصورة المعقولة محرّكة لأعضائنا إلى أن نوجدها ، فلا تكون وجدت فعقلناها ، ولكن عقلناها فوجدت .
ونسبة الكلّ إلى العقل الأوّل الواجب الوجود هو هذا ، بأنّه يعقل ذاته وما يوجبه ذاته من كيفيّة كون الخير في الكلّ فيتبع صورته المعقولة صور الموجودات على النظام المعقول عنده ، لا على أنّها تابعة اتّباع الضوء للمضىء والاسخان للحارّ ، بل نفس وجود معقول الكلّ عنده هو الخير المحض الذي يخصّه ويعقل أنّها معقولات ذواتها علل موجدة للكل .
ثمّ هذا هو الإرادة التي تخصّه ، فليست إرادته كإرادتنا ، وهو قصد منّا ، بعد ما لم يكن ، لقوّة أخرى غير قوّة التصوّر ، لكوننا تارة بالقوّة وتارة بالفعل ، وكون قوانا مختلفة ، واحتياجنا في إصدار ما يخصّنا إلى استعمال قوى مختلفة ؛ وأمّا واجب الوجود إن كان مبدأ للكلّ فلا يجوز أن يكون غير هذه الجهة ، فانّه إن كان يعقل الكلّ ولا يعقل أنّها منه ومنسوبة اليه ، فيعقل الكلّ من الكلّ ، لا من ذاته ، وقد منعنا هذا . فإذا كان يعقل الكلّ على أنّه منه في رتبته ومعقوله ومعشوقه ولذيذ عنده ، مثل ما أوضحناه . فعقله للكلّ على الجهة التي تخصّه هي إرادة ، لا شئ آخر .
وهذه الجهة هي أن يعقل ذاته مبدأ للكلّ بالقصد الثاني ، فعقل الكلّ بالقصد الثاني ، ومعقوله بالحقيقة واحد ، وذاته منسوبة إلى الكلّ نسبة المبدأ ، وهذا حياته .
فانّ الحياة التي عندنا تكمل بادراك وفعل هو التحريك ينبعثان عن قوّتين مختلفتين ، وقد صحّ أنّ نفس مدركه وهو ما يعقله عن الكلّ هو سبب الكلّ ، وهو بعينه مبدأ فعله ، وذلك ايجاد الكلّ . فمعنى واحد منه هو إدراك وتهيّؤ للايجاد . فالحياة منه ليست تتمّ بقوّتين ، ولا الحياة منه غير العلم ، ولا شئ من ذلك غير ذاته .
المبدأ والمعاد — صفحة 20
مساهمون: أبو علي سينا
ص٢٠