نفس وجوب الوجود وجب أن يكون لكلّ واجب الوجود ، فكلّ ما يوجد لكلّ واحدة من الماهيّتين يوجد للأخرى . فلا يكون بينهما انفصال بتّة بمقوّم ، وقد وضع بينهما اختلاف في النوع ، هذا خلف .
وأمّا إن لم يكن شرطا في نفس وجوب الوجود - وما ليس بشرط في شئ فالشيء يتمّ دونه - فوجوب الوجود يتمّ دون ما اختلفا فيه ، فيكون ما اختلفا فيه عارضا لوجوب الوجود ، وهما متّفقان في ماهيّة وجوب الوجود ونوعيّته ، واختلفا بالعوارض دون الأنواع ، هذا خلف .
فان جعل الشرط في وجوب الوجود أحدهما لا بعينه فليس أحدهما بعينه شرطا فتساويا في أنّه ليس أحدهما شرطا ، فكيف يكون أحدهما لا بعينه شرطا ؟
فان قال قائل : هذا مثل المادّة فانّها ليست هذه الصورة لها بعينها شرطا ولا ضدّها ولكن أحدهما لا بعينه ، أو مثل أنّ اللون لا يتقرّر وجوده إلّا أن يكون سوادا أو بياضا لا بعينه ولكن أحدهما .
فقد ذهب عليه الفرق : أمّا المادّة فاحدى الصورتين لها بعينها شرط في زمان ، والأخرى ليست بشرط في ذلك الزمان ، وفي الزمان الآخر لها الصورة الأخرى شرط بعينها ، والأولى ليست بعينها ؛ وكلّ واحدة منهما في نفسها ممكنة لها إذا أخذت مطلقة بلا شرط ؛ والمادّة ممكنة أيضا ، فإذا وجبت وجبت بعلّة إحدى الصورتين ووجبت تلك الصورة بعينها وكيف ما كانت الحال ، فانّ المادّة سواء كانت إحداهما شرطا في وجوبها بعينها أو إحداهما لا بعينها فلها شرط في الوجوب غير نفس طبيعتها ، ولو كان لوجوب الوجود شرط متعلّق بشيء خارج عنه لما كان وجوب وجود بالذات .
وأمّا اللونيّة فليست تصير لونيّة بسواد أو بياض ، بل هي لونيّة بأمر يعمّهما ، لكن لا توجد مفردة إلّا مع فصل كلّ واحد منهما ، فليس ولا واحد من الأمرين للّونيّة بشرط في اللونيّة ، ولكنّه شرط في الوجود ، ثمّ في كلّ زمان وفي كلّ مادّة ،
المبدأ والمعاد — صفحة 14
مساهمون: أبو علي سينا
ص١٤